منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

عملية جراحية واجتماع وزير

September 20, 2020

 

 

 

“ريادة الأعمال ليست سهلة” عنوان لمحاضرة تذكرتها اليوم قدمها صديقي العزيز، المبدع مازن الضراب، قبل سبع سنوات في لقاء لمجموعة من الشباب والشابات بتنسيق من باب رزق جميل، يسرد فيه العديد من التحديات أو ” المواجع” التي تواجه رواد الأعمال. لو كنت مكانه لصرخت بأعلى صوتي “ريادة الأعمال صعبة!!” بل شاقة، حارقة، عسيرة، شرسة، فتاكة. تنهش بأجسادنا وأرواحنا شيئًا فشيئًا أحيانًا دون أن نلاحظ. الثمن الجسدي والنفسي لريادة الأعمال كبير جدا، و أحيانا وحشي – وهو ثمن يدفعه الكثير من المؤسسين سراً خلف البريق والأضواء!
على مدى السنوات القليلة الماضية، كنت أخصص الكثير من الوقت لسماع قصص رواد الأعمال، وحكاياتهم الشخصية عن النضال والمثابرة، والإحباط والإكتئاب، والنجاح والفشل، والخوف والمخاطرة. سواء عن طريق مجموعات الدعم أو من خلال منترتي لبعض الرواد الشباب. اليوم لدينا أبحاث وافرة تتجاوز دراسات الحالة الخاصة بأن ريادة الأعمال – على الرغم من بريقها – ترتبط ارتباطًا سلبيًا بالصحة النفسية لرائد الأعمال.
ما يتفق عليه الجميع هو أننا بحاجة لما يسمى ب ” المرونة النفسية” وهي كما يعرفها المختصون ” قدرة الفرد على الاستمرارية متحدّيًا أصعب الظروف، وواضعًا أقصى إمكانياته في خدمة استكمال العيش على الرغم من مواجهته من حين لآخر مسبّبات تكون مدعاةً للقلق والتوتر”. المرونة في ريادة الأعمال هي الحد الفاصل بين الثبات المطلق والحركة المطلقة، المرونة حركة لا تسلب التماسك، وثبات لا يمنع الحركة. لكنها حتمًا غير موجودة معنا في كل المراحل وأحيانًا نتأرجح بين الشعور باليأس، والشعور بالانتصار… خصوصًا إذا كانت أحلامنا كبيرة!

 

الأثر الجسدي: قصة أسردها لأول مرة- و في غيرها كثير!

في 2015 تقريبًا بعد عام من تأسيس إمكان التعليمية، كنت أحترق بحثًا عن فرصة تكون هي الدفعة لنمو للشركة. أسافر أسبوعيًا، أسهر الليالي لتحضيرعروض استشارية لجهات حكومية مختلفة، نخترع أنا وشريكاتي والفريق فكرة لمشروع يحقق هدفًا من أهداف الرؤية- قبل نضوجها اليوم ببرامجها المختلفة، أعمل جاهدة على بناء علاقات متينة في دائرتي المهنية، أفكر بطرق مبتكرة لمنافسة الشركات الاستشارية الكبيرة التي التهمت 90% من الفرص، أشجع فريقي يوميًا حتى لا يفقدون الحماس بأننا سنغلق صفقة كبيرة هذا العام ونحقق أثرًا ملموسًا تجاه أهدافنا. كنت أشعر بضيق كبير ومسؤولية ضخمة خصوصًا أنني أقنعت زميلي مشاري الابراهيم بالإنتقال من بيت الاستشارات العالمي (البوستن كونسلتينغ قروب)، ليشاركني هذه المغامرة التي تسمى ” إمكان التعليمية”. من القصص الطريفة التي لم أكتبها مسبقا هي أنني تواصلت مع والدته وأقنعتها بأن الانتقال إلى إمكان هو الأفضل لمشاري. و قلت لها أنها ستخفف من ساعات عمله الطويلة وسيشعر بشغف كبير في بناء شركة استشارية ناشئة. و كنا ومازانا أنا وهو نضحك على هذه القصة حيث يقول “منيرة ما يوقفها شيء، توصل لأمك وأبوك وتكلمهم، وفجأة بيصيرون في صفها!”

و فعلا قمنا والفريق بالعمل على عرض لمشروع مبتكر، وفكرة جديدة حول بناء المهارات الرقمية في المملكة، وسعيت لإيصالها لأحد الوزراء كمبادرة من إمكان لأخذ مرئياته في المشروع. وفي ظل هذه المحاولات، ظهر لنا ثقب نور صغير”ليس شباكًا” لفرصة محتملة حيث تواصل معي مكتب معالي الوزير وقال ” الوزير عجبه جدًا المشروع متى تقدرين تعرضيه؟”
قلت له: ” بعد أسبوعين”
قال: أسبوعين كثير ممكن تجي بكرة، الاجتماع في جدة.
أغلقت السماعة و قلت: أوكي بجي.
كانت هناك مشكلة صغيرة، لا بل كبيرة!

كنت قد أجريت عملية جراحية قبل ثلاث أيام من هذا الإتصال، وقال لي الطبيب أن السفر ممنوع لمدة أسبوعين على الأقل والأفضل عدم السفر لمدة شهر. طبعًا لم أعر كلام الطبيب أي اهتمام رغم أنني كنت متألمة من الجراحة. رتبت حقيبتي واتجهت للمطار وكأن شيئًا لم يحدث. وصلت إلى جدة على الموعد، قابلت زملائي في الطريق، وتحدثنا عن استراتيجية العرض، وتقسيم الأدوار.

دخلت الاجتماع ووقفت لأبدأ العرض وفي الغرفة ما يقارب 10 مستشارين، وأثناء العرض شعرت بألم شديد مكان الجراحة، وسمعت صوت انشقاق في جلدي مكان الخياطة، وشعرت بماء ودم ينزف داخل ثيابي. ارتبكت للحظة ثم فكرت بأنني أرتدي العباءة، وأن الدم لن يظهر بسرعة على العباءة السوداء واستمريت في العرض، وأنا أتلوى من الألم. انتهيت من الجزء المسؤولة عنه، وسلمت الجزء الثاني لزميلي كما اتفقنا، واتجهت لدورة المياة لمعرفة ما الذي حدث!
و إذا بقميصي غارقًا بالدم وخياطتي انشقت، أستطيع أن أرى الطبقات الداخلية من جسدي! أخذت مجموعة من المناديل وقمت بتنشيف الجرح وسده وقلت لنفسي سأعود إلى البيت، وأذهب إلى المستشفى بعد العرض- لا أستطيع أن أضيع هذه الفرصة فجميع زملائي وفريق عملي آمنوا بإمكان ولا أستطيع أن أخذلهم!

عدت إلى غرفة الإجتماعات واستمريت في النقاش وانتهى الاجتماع بطريقة إيجابية جدًا، وخطوات واضحة لفرصة كبيرة. ابتهج فريقي وزملائي أثناء الخروج لكنني لم أتمكن حتى من الإبتسام أوالإستمتاع باللحظة، ولم أخبرهم بما حدث وتوجهت إلى بيت والدتي رحمها الله في جدة.
دخلت عليها في الغرفة وهي تشاهد التلفاز، وقلت لها: ماما، تعالي أبغ أوريكي شيء
قالت: إيش في؟
قلت: تعالي، بس لا تنفجعي..
قالت: أوكي، الله يستر منك!
فتحت الجرح وإذا بكمية دم كبيرة تنهمر مني بعد أن سحبت المناديل.
صرخت بأعلى صوتها: أنت مجنووووووونة! لماذا سافرتي؟! لماذا لم تذهبي إلى المستشفى فورًا؟ّ لماذا لم تخبريني!
أنت مدمنة على عملك وشركتك وقضيتك! ستموتين! ارحمي نفسك!
طبعًا التهب الجرح، و اضطررت لأخذ مضادات حيوية بالإضافة إلى إعادة الخياطة ومضاعفة وقت الراحة!

 

الأثر النفسي: بريق لا نراه، ولا نشعر به

 

“متلازمة المحتال”Imposter Syndrome شعور يمر به الكثير من رواد الأعمال، حيث يشك فيه المرء بإنجازاته و يشعر بخوف دائم من أن يعتبره الآخرون محتالًا، على الرغم من وجود أدلة خارجية على كفاءتهم، يبقى الأفراد الذين يعانون من هذه الظاهرة مقتنعين أنهم محتالون، وأنهم لا يستحقون كل ما حققوه. و ينسبون نجاحاتهم إلى الحظ. هناك من يقول أن شعور رائد الأعمال هو كالرجل الذي يمتطي أسدًا.. يعتقد الناس أن هذا الرجل شجاع، لكنه في الواقع يفكرباستعجاب ” كيف وصلت فوق ظهر الأسد؟! لا بل كيف لم أؤكل بعد!”

هذا هو شعوري تماما بعد سبع سنوات من العمل الحر، كيف وصلت إلى هنا؟! و سبحان الحماية الإلهية التي كانت بمثابة الوسادة مع كل ارتطام! في نهاية كل شهر كنت أعجزعن النوم لأننا لا نملك المبلغ الكافي للرواتب هذا الشهر، لكننا بفضل الله وحمايته لم نتأخر أو نعجز عن دفع الرواتب ولا مرة في سبع سنوات! بل حققنا نموعامًا بعد عام. في كل مرة كانت تأتي معجزة في اللحظة الأخيرة، نتعلم منها درسًا، و ننمو من خلالها. حتى أصبحت متمرسة لا بل ماهرة في إدارة التدفقات المالية، أتحدث لغة البنوك، أديرالقروض، أخطط ماليًا بطريقة ذكية، تعاقداتي القانونية مكتوبة بطريقة تحمي الشركة، تخطيطنا لأنواع المشاريع يضمن طرق مختلفة من الدفع والإستلام، تخططينا للنمو في أعداد الموظفين مدروس ومرن. ولولا الارتطام و الضغط الذي مررنا به في هذا الرحلة لما كنا بنينا هذه المهارات حتى أصبحت ” بنت سوق أو بنت تاجر” كما يقولون.

الضغط الآخر الذي يمر به رواد الأعمال هو اختلاط هويتك بهوية شركتك أومشروعك حتى تصل إلى مرحلة أنت لا تدري من أنت بدون هذا المشروع؟ من هي منيرة بدون إمكان وأعناب؟ يقول الكثير من المؤسسين وقد سمعتها من العديد من الأصدقاء “لا أعرف من أنا إذا لم أكن مؤسس X”. لأننا نرتبط بشكل متطرف بأحلامنا وقد تنسينا احتياجاتنا الخاصة ونضحي بمصادر أخرى للمعنى مثل العلاقات الإنسانية والإجتماعية. ويصبح تقديرك لذاتك مرتبط بنجاح شركتك، إن نجحت شعرت بالنجاح و إن فشلت شعرت بالفشل.

أخيرا قدرة ريادي الأعمال على التعامل مع ” المجهول” Uncertainty مضاعفة.
تخيل أن لا شيء مضمون! لا شيء! القدرة على تصور المستقبل والأمن الوظيفي و تحديد نسبة النجاح كلها ضبابية. وبالتالي فرواد الأعمال عرضة لمستويات أعلى من القلق لأن الكثير من الأمور خارجة عن سيطرتنا فعليا.

 

التوازن، والنضج، والمرونة

أنا اليوم إنسانة مختلفة. ما زلت أمر بحميع التحديات والأيام الصعبة التي يمر بها رواد الأعمال لكنني أكثر رحمة لذاتي، أكثر تقديرًا لها، أكثر صبرًا، لا أحزن على فوات فرصة رغم أنني منافسة شرسة، ولا أستعجل النجاح، أؤمن أنك يجب أن تكون أفضل من الأمس، أنافس نفسي أكثر من غيري، أفهم معنى التوازن، وأعرف متى أضغط على زرالإنطلاق، أتعامل بمرونة أعلى مع الإنتكاسات وهي كثير، وأفهم جيدا أن ” ما أصابكَ لم يكن ليُخطِئَكَ وما أخطأكَ لم يكنْ ليصيبكَ “، وأننا نخطط لأهداف في مسار معين، لكن المسار قد يحيد قليلًا ولكن الهدف واحد.
أتعجب ممن يبحث عن النجاح السريع من رواد الأعمال أوالشباب الصغار، ولو كنت أحضر لجلسة حول ريادة الأعمال سأتحدث عنها بصراحة، وليس من خلال بريقها. سأتحدث عن أهمية Discipline الإنضباط، أهمية تأجيل المتعة Delaying Gratification أهمية الإستمرار والمرو نة النفسية Resilience أهمية الإستشارة والإستمتاع بالرحلة، لأن الحياة تكمن في تفاصيل تلك الرحلة الثرية.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *