منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

إدارة الإنهيار

December 13, 2019

 

 

الموت

 

فارقتني حبيبة القلب أمي قبل شهرين في الحادي عشر من أكتوبر الساعة السابعة مساء. كنت معها في لحظاتها الأخيرة و كنت أسمع صوت الجهاز و أصرخ و أرتجف و أنا أردد ماذا يحدث ماذا يحدث .. مني فاهمة أحد يقولي؟  ثم رأيت و الأرقام تتناقص عدا تنازليا

40

39

38

37

حتى وصل إلى الصفر.

رأيت الموت.

 

التعامل مع الفقد

 

في اليوم الرابع بعد رحيلها، استيقظت ، لبست، وضعت حمرة حمراء و اتجهت إلى المكتب.  بكيت بكاء شديدا في السيارة، و كانت أول مرة يراني السائق أجهش بكاء. لم ينطق بكلمة… أعطاني علبة المناديل و تركني أبكي. شعرت بنوع من الأمان داخل السيارة و كأنها صندوق مغلق أستطيع الانفجار فيه بعيدا عن أعين الناس. أنا غالبا اختار بدقة الأشخاص الذين أتيح لنفسي البكاء أو الانفجار معهم. لأن الانفجار عملية “حميمة” Intimacy “ Into me see” أي أنظر إلى دواخلي. إذا انفجرت مع شخص ما، فأنا أحبه ” أسمح له برؤية ذاك الجانب المتخلف الرقيق الذي أخجل منه أمام الناس”. قلت لنفسي سأسمح لنفسي بالبكاء كل يوم في طريقي إلى العمل مع السائق و أضفته لقائمة الذين أسمح لهم برؤية هذا الانهيار. هذه الربع ساعة كانت لي.. للتعبير. ثم أمسح دموعي، أصلح الحمرة التي أصبحت مبعثرة في كل وجهي و أطلع المكتب.

و فعلت.. كل يوم…

تعاملت مع الفقد كما تتعامل منيرة مع الألم “دفنته” في مكان لا أستطيع رؤيته.. في صندوق داخل خزانة مرتفعة. كنت أردد كل صباح ” معليش منيرة، فعلت كل ما بوسعك، قدر الله و ما شاء فعل، الله يرحمها و يتغمدها بحبه”. كان الحزن يظهر علي بأشكال غريبة مثل البهاق المفاجئ الذي انتشر في جسدي، الصداع المستمر و ألم العظام، رغم أنني أول فرد في أسرتي يبدأ مراحل الحزن، حيث أنني بدأت بتهيئة نفسي شهرين قبل وفاة والدتي لأنني شعرت بأنها النهاية، و الأشخاص القريبين مني يعرفون جيدا أنني لم أكن في وضع نفسي مستقر حينها. كنت أنفجر كثيرا، أتحسس من أي كلمة و أشعر بغضب لأنني عاجزة عن إيجاد حل لإيقاف الألم عندها..

نظر إلي الفريق باستغراب و محبة: ” مـتأكدة أنك تريدين العودة للعمل الآن؟” لأنهم عاشوا القصة بأكملها معي، السفر المفاجئ، الغياب الطويل، العمل عن بعد، الاجتماعات أثناء جلسات الكيماوي، الأطباء، الأبحاث، و النفسية المتقلبة. أحبهم لدعمهم الكبير لي.

رديت: متأكدة؟ ما هي التطورات في المشاريع؟

قالت لهم شريكتي بسمة ” لا تشيلوا هم منيرة، ستتعامل مع الحزن كما تفعل منيرة” فكل منا يمر بمراحل الفقد بطرق مختلفة… لكننا حتما نمر بها مهما كنا مستعدين.

تحول الحزن المكبوت عندي إلى ما يمسى ب  Intermittent grieving أي الحزن بشكل متقطع، لأنني لم أتيح لدموعي بالانهمار كما يجب. غمست نفسي في العمل، و الحياة و أشغلت نفسي بالقراءة و التعلم والتحقت ببرنامج القيادة الذي رشحت له و كانت تمر الأيام إلى أن أصبحت خبيرة في تحسس اقتراب حالة “الحزن”، و كلما شعرت باقترابها كنت أتيح لنفسي 15 دقيقة من البكاء، بالتحديد.

قرأت عن عام الحزن و تذكرت قصة الإسراء و المعراج و أن توقيت الحادثة في عام الحزن كان مهما جدا لنبينا وحبيبنا محمد عليه السلام. نفحة من نفحات الرحمن لترسيخ الإيمان و القوة عنده في ظل ظروف الفقد التي كان يعاني منها في العالم المادي. صبرت نفسي بالقران و الأوراد و الدعاء و كثيرا من الروحانية، و مرت الأسابيع.

قلت لصديقتي: ما زلت أبكي…هل تعتقدين أنني بخير؟

ردت: هل جننتي! نعم بما أنك تبكين يعني أنت بخير. أبكي أرجوك! هل تعرفين ما مررت به في عام 2019! أنت ملهمة!

بدأت العام ووضع الشركة ” على الحركرك” ماليا، التحقت ببرنامج هارفارد، نقلت أبناءك إلى مدرسة جديدة، سافرتي ما يقارب 200 يوم للبقاء مع والدتك وكنت تعملين حتى من غرفة الكيماوي! كنت معها حتى آخر نفس! نقلت الشركة إلى مرحلة مختلفة تماما و في نمو، أعناب الآن في مرحلة ناضجة للاستثمار، تعاملت مع ضغط العملاء، و كنت مصدر قوة و إلهام للفريق. والدتك توفيت قبل 8 أسابيع!

لو سمحت، أبكي!

بكيت… و ارتحت. بكيت حتى ألمني بطني… و ارتحت… بكيت على أشياء كثيرة جدا جدا… و ارتحت، نعم ارتحت.

 

بعثة ” السوسن” لتعليم البنات في مجال التنمية البشرية

 

تخليدا لذكرى والدتي، و صدقة جارية لروحها الطيبة، أطلقت هذا الشهر بعثة ” السوسن” لتعليم البنات في مجال التنمية البشرية. كانت ماما تهتم جدا بتعليمنا، و تسعى دوما لأن نكون ” نجمات” في كل ما نختار القيام به في هذه الحياة. بدأتها هذا العام بأول طالبة أذهلتني بذكائها و شخصيتها ” المقاتلة” و التي ستقوم بدراسة علم النفس في جامعة كاليفونيا بسانديغو، و التي تعد من الجامعات المتميزة في علوم تنمية الإنسان.  يقولون عمر الزهور قصير، لكنني سأخلد روحها الطيبة من خلال زهرات مقاتلات مثلها، يضفن للإنسان. أعتقد أنها كانت ستكون، سعيدة.

 

ماذا تعلمت في 2019؟

  • تعلمت أنني قوية! لم أدرك مدى قوتي الخفية و قدرتي على “إدارة الانهيار”
  • عرفت أن لدي أصدقاء معادنهم ذهبا! و أنني مهما كنت ” نصف مجنونة” معهم، يحبونني حتى النخاع!
  • تعلمت عن عملية إدارة التحول و أتطلع لإكمال خطة التحول لإمكان و أعناب
  • ارتفعت ثقتي بنفسي هذا العام نظرا لكثرة التحديات التي مرت علي.
  • تعلمت عن إدارة الفرق وسط ” العاصفة”
  • سمحت لنفسي بالانكشافVulnerability  أخيرا! حتى لو كان الانكشاف مؤلما أو محرجا، تعلمت أنه الخيار ” الشجاع” و الأكثر صدقا!
  • تعلمت عن مراحل الحزن و تعاملت معها بشكل جيد نسبيا!
  • تعلمت أنني مرحة، و إيجابية وهو شيء لم أتوقعه من نفسي هذا العام
  • تعلمت أنني “أحب من أحبهم” كثيرا! و أن الحياة أقصر من أن لا أعبر عن مشاعري
  • رأيت أبوابا تغلق و أخرى تفتح، و لم أكن في معية الله كما كنت هذا العام.

ها قد مرت سنة من قصتي التي أكتبها بحركاتي و سكناتي و قراراتي و أنا تحت عظيم سلطان الله و حمايته. سنة فيها الحلو و المر، الانتصار و الهزيمة، كثيرا من الفقد، لكن كثيرا من الحب أيضا، كثيرا من العمق، كثيرا من التجارب، و كثيرا من المرح، و كثيرا من  بعض ” الحياة”.

مرت سنة من تجارب أعرفها أنا وحدي…

و تجارب يعرفها معي غيري..

مرت سنة و أنا إلى الله أقرب…

شكرا ربي على السنة و السنوات و السنون، و كل ما سنيت لي في قصة الحياة.

 

11 responses to “إدارة الإنهيار”

  1. Eman says:

    كنت ولازلت اراك امرأه قويه ،،مثابره،،مجتهده،،طموحه،،اتمنى لك التوفيق دائماً

  2. عمار says:

    الله يغفرلها و يرحمها و يسكنها فسيح جناته و يجمعها و اياكم و إيانا اجمعين في جنات النعيم.
    Despite how sad the story is(and indeed it is), it shows how strong we are and reveals a level of endurance and capability we never thought we have and can each to.
    بكل بساطه (لا يكلف الله نفسًا الا وسعها)،
    اما بالنسبه للأصدقاء الأوفياء ، فهي نعمه لا نعرف معناها الا وقت الضيق، أدامها الله عليكم و علينا..
    تمنياتي بالتوفيق لك في المرحله القادمه.

  3. Amani Badokhon says:

    ماشاء الله حفظك الله ورحم الله الوالدة رحمة واسعة وجبر الله قلبك حبرا يليق بعظمته وجبروته عزوجل..

  4. Ali says:

    في الحقيقة لم أكن أعرف ولقيت لك تغريدة تذكرين وفات أمك رحمها الله ،عزيتكم ودعيت لكم وعبرت بكل صدق …لا اعلم لماذا !!لااعلم ماسبب تعاطفي معك فالكثير من الناس يغردون مثل ماغردتي به ولا اعزي احد منهم !!
    على كل حال انا هنا اكتب أيضأ وانا لا اعلم لماذا اكتب لك !
    اختي الكريمة اذا كان لي ان اقول اختي قرأت لك ماكتبتي افكارك تدعم مشاعري وتلامس إحساسي كثيرا هذا ما توصلت له بعد وقفة طويله أتأمل لماذا تتداعى أفكاري مع ما تكتبين .
    لك مني كل ود ومتنان د/ منيرة

  5. Manar says:

    Loved ur story, its from the depth of ur heart. May god bless you and ur mom
    Take good care of urself you are so good hearted and very fragile though u tried to hide it. I dont know u but I can ferl ur emotions. Bless you

  6. شعرت بكلماتك في قلبي ولأن الأم هي أعظم ممتلكاتنا في هذه الحياة، ورحيلها يؤلم إلا أنني أريد أن أذكرك، بأن الحب مستمر حتى بعد الموت، لا شيء يتوقف بل إن حبك الصادق لأمك الغالية الآن يظهر بشكل حقيقي..
    الصدقة عنها، الدعاء لها، السؤال عن أحبابها، وغيره من الأعمال التي تعمق معنى الحب بعد الفقد..
    إليك أيتها الشجاعة كوني أقوى فكلنا راحلين، ونحن اللاحقين.. عيشي تفاصيل الحياة بقرب من تحبين وأسأل الله أن يرحم والدتك وأن يجعلها في نعيم إلى يوم يبعثون وأن يجمعك بها في جنة الخلد..❤️
    وأتمنى لك سنة مليئة بالأحداث الجميلة كجمال قلبك.

  7. Roaa says:

    أنت يا منيرة قوية ، مررت بنفس تجربتك مع والدي ورأيت الموت و عرفت رائحته الله يرحم جميع موتى المسلمين ويغفر لهم
    في كتاب جميل للويز هاي (كيف تشفي قلبك) بعد رحيل من نحب قلوبنا تحتاج للترميم
    أسأل الله أن يجبر قلبك جبراً طيباً و كل شخص يحس بألم الفقد

  8. saad aladi says:

    روعة روعة روعة.. أسأل الله أن يعوضك في مصابك خيرا.. شكرا لهذا الحزن الجميل..

  9. بيان شما says:

    رحم الله روحا صنعت منك إنسانة بهذه القوة والعطاء والإلهام، سيجعل الله فقدها بردا وسلاما على قلبك فاطمئني أيتها الشجاعة..

  10. د. خليل القعيسي says:

    رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وتجاوز عن سيئاتها

  11. سمية says:

    لامستني كلماتك
    التجارب الصعبة تبني داخلنا قلعة نحتمي بها من الحياة
    الله يجبرك ويقويك

Leave a Reply to سمية Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *