منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

أنا بخير يا ماما

August 9, 2019

 

وقفت أنتظر خارج غرفة الأشعة السينية بالقرب من كرسي ماما المتحرك و للحظات شعرت بهجوم عاطفي يجتاحني و كأنه يتحرك داخل جسدي من الأسفل إلى الأعلى حتى انفجر على شكل دموع غير متوقعة. خرجت بشهقة منخفضة حاولت إخفائها بسرعة. كنت في منتصف الممر و شعرت بنوع من الحرج، خصوصا أن والدي يجلس في غرفة الانتظار و لا أريده أن يراني هكذا، فأنا الابنة الكبيرة التي يتباهى بها ” د. منيرة ” ولا يوجد سبب للبكاء اليوم، مجرد أشعة روتينية للفحص على سرطان الرئة الذي ابتليت به والدتي منذ عامين. نعم ” مجرد أشعة روتينية”، جملة قاتلة في حد ذاتها لأنني و رغم مرور الوقت و عشرات الأشعات و الممرات و المستشفيات و الدول و الأطبة…لم أعتدها و لن أعتادها.
العامين الماضية كانت قاسية جدا على أسرتنا الصغيرة ” بابا و ماما، منيرة و بسمة و هنادي و محمد”. فوجئنا بتشخيص ماما و هي تخضع لعملية في الأمعاء بسبب ألم مباغت، حيث وجد الطبيب ورما في البطن، لكن أنسجته كانت مهاجرة من مكان آخر. لقد كان سرطان الرئة الذي انتشر بسرعة في كل أنحاء الجسد ووصل إلى الدماغ. دخلنا لمعالجة ألم في البطن، و إذا بنا نقف مع الطبيب في أحد الممرات يبلغنا بأنه سرطان الرئة في مرحلته الرابعة. و منذ ذلك ” الممر” و نحن في دوامة حولت جميع أفراد الأسرة إلى جنود صغار، نتعلم، نتناقش، نخطط، نتناوب، نقاتل، نصبر، ندعم، نغامر، نبكي، نضحك، نتشاور، نحتار، نتشاجر… نحب.
“خذوا والدتكم إلى بيتها فهذا المرض فتاك و لا نستطيع القيام بأي شيء” كانت جملة أحد الأطباء في أمريكا. لكننا لم نأخذها إلى بيتها، نجول العالم كالجنود الصغار، نبحث عن الأفضل و الأكمل برعاية الله و حفظه و نوره. لقد تعلمنا الكثير الكثير من ماما و من الأحداث المتتالية في العامين الماضية. لقد تغيرنا، فردا فردا!
تعلمنا الصبر حقيقة، فالصبر ليس صفة نتصف بها، الصبر درس من دروس الحياة نتعلمه شيئا فشيئا. أن نرى جميعا والدتنا تمر بأقسى تجارب الحياة، الضغف المستمر، سقوط الشعر، الآلام الجسدية، الغثيان المستمر، سواد الأطراف و غيرها و غيرها من الهزات الأرضية التي تدك و تدك و تدك بها و تقول “سأفتك بك.. حتى أتتركك حطاما…” لكنها تقف صامدة. أن نراها تكسر حوضها ثلاث مرات بسبب ضعف العظام من الكيماوي، ثم تكسر كتفها، ثم تفقد قدرتها على المشي تماما، و أجلس بقربها و تبتسم و تقول ” كيفك اليوم؟”
كيفي؟ اليوم؟
أنا بخير يا ماما…
أنا بخير…
تعلمنا معنى النضال، رأيت الحب بأم عينه… نعم رأيته. ليس حب المسلسلات و لا حب العشاق، حب الروح للروح ووالدي يمر بأصعب سنواته معها. يتألم بقدر ألمها، يفكر في التفاصيل التي تسعدها، الكرسي، المخدة، العصير، الغطاء القطني الذي تحبه…و غيرها من الأمور التي لا أفهمها لكنني أفهمها جيدا..
لا أعتقد أننا و أخواتي نفس البنات… لقد نمت حول جلودنا طبقة جديدة جعلتنا أقوى، لكن أكثر حكمة، أكثر حنانا، أكثر صدقا، و أكثر شجاعة.
في هذه الأيام الفضيلة أشكر الله على نعمة ماما، و نعمة أسرتي الصغيرة الحبيبة،،
أشكره على ما مضى و ما سيأتي،،
أشكره على عيد نقضيه معا،، و نحن في رعايته
عيد أضحى مبارك ماما

 

2 responses to “أنا بخير يا ماما”

  1. Abdullah says:

    قلوبنا تُنطق عندما نرى التعب على والدينا بكلمات شاعر :
    لا بأس يالمحبوب روحي تفداك

    أشد ألم وتعب في الحياة هي رؤية الالام وتعب من نحب،

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيها ويعافيها من كل بأس ومكروه عاجلا غير آجل،
    وأسأل الرحمن الرحيم أن يرحم حالها ويلطف بها،
    رزقها الله الصحة والعافية وطول العمر ورزقكم الله برها ورضاها.

  2. Sharia says:

    Dearest Muneera,
    First of all, I hope your mom is better and in the process of continuos healing, ya rub ya Kareem. Second, thank you for sharing such an intimate and painful experience you and your family have gone through with strength and love. There are few things more difficult than watching a love one crumble in pain. Your narration, is touching as much as it is sincere.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *