منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

النيبال: الزلازل و التعليم

October 27, 2018

 

 

 

قررت أن ابتعد قليلا. ربما ليس قليلا، لأنني اخترت مكان قصي.

 نحن نعيش عمرنا كله نتجرع مسلمات من ثقافتنا و الثقافات التي احتلت الإعلام العالمي. منذ نعومة أظافرنا و نحن نتبع ما وجدنا عليه آبائنا و قليل منا يسأل ” أولو كان أبناؤهم لا يعلمون شيئا و لا يهتدون “. و أحيانا يمر بنا العمر دون أن نواجه ” الكلاكيع” التي تراكمت فوق جلودنا. نكبر و نؤسس لأسرة و نعمل و نشيخ  و نعود إلى الله من حيث بدأنا دون أن نحيا حق حياة. فالحياة مواجهة مع الذات بكل تجاربها، و إلا فنحن لم نتطور من طور “الإنسان القرد”. بدأت قبل عدة أعوام السفر إلى ثقافات مختلفة تماما ليس للسياحة، لأن السياحة كلمة رأس مالية برأي، تحد التفكير و الخبرة و الوعي، لكنني أسافر في “رحلة” لأنصهر في قصة أخرى و ثقافة أخرى كليا. لأرى حقيقة أخرى من خلال عيون أشخاص اخرين، أسافر لأتحدى الفتاة المؤد لجة بداخلي، أسافر لأقول للفتاة المدللة الغارقة في نعم الله ” كفى. انظري ثم ابصري ثم تبصري”، أسا فر و أنا أحمل صفحة بيضاء و أقول للعالم: هيا اكشف لي عن التجارب التي كتب الله لي أن أعيشها في السنوات القليلة التي أقضيها على هذه الأرض. للأسف تجاربنا في هذا الزمن رغم اتصاله إلكترونيا، لم تعد حقيقية. كثير من التجارب مفتعلة و معلبة، كثير من الإعلام موجه و كثير من “الستوريز” التي نتابعها في منصات التواصل الاجتماعي تفقد المصداقية، مركبة و مفبركة، هشة و سطحية.

أٍسعى من خلال سفري بأن أكون  “إنسانة” أفضل و أرقى و أنا أقترب من منتصف العمر كما يقولون. قبل أن أطور من مهنيتي أريد أن أطور من إنسانيتي، فهي الأساس دوما.

لماذا النيبال؟ و ما قصتها؟

النيبال دولة صغيرة تقع بين دولتين كبيرة، بل تفصل بين الهند و الصين اللتان تمثلان أكبر اقتصادات العالم. دولة تجمع بين الثقافة الهندية و الصينية و بالتالي تجد في هذه الدولة الصغيرة العديد من الديانات و المعابد و الثقافات التي تجمع بين الهندوسية و البوذية.  كما أنها تقع على أعلى قمم العالم، و هي موطن لثمانية من أعلى عشرة جبال في العالم، بما في ذلك جبل إيفيرست. الجبال لها قدسية خاصة برأي، فهي مكان للتعبد و المناجاة مع الله. و الجبال حية بذاتها يقول تبارك و تعالى ” ألم ترى أن الله يسجد له من في السموات و من في الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال..”  (الحج 18) و قوله تعالى: “إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق”( ص 18) و قوله: “وإلى الجبال كيف نصبت” (الغاشية 19) فالإنسان مكلف بمعرفة الكون و دراسته و التأمل فيه. الجبال مكان مهيء للتأمل حيث صعد إليه نبينا محمد عليه الصلاة و السلام ليعلمنا أن الجبال أمكنة للخلو بالذات. يكفي أنها مكان اتصال الأرض بالسماء، و السحب بالقمم و الإنسان بذاته.

 النيبال أيضا من الدول الفقيرة و تعد واحدة من أقل البلدان نمواً في آسيا واحتلت المرتبة 144 من أصل 188 دولة في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة. ووفقًا لبنك التنمية الآسيوي ، فإن حوالي 25٪ من السكان يعيشون بأقل من دولار أمريكي واحد في اليوم. تمثل التضاريس الجبلية تحديات هائلة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وتجعل من الصعب والمكلف توسيع البنية التحتية في نيبال. جولة واحدة بالسيارة في الجبال و القرى تشعرك بمدى صعوبة توسيع البنية التحتية المناسبة للتعليم. أما المطبات، فهي من نوع آخر!

ومن المعوقات الأخرى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مدى حساسية النيبال للزلازل. في عام 2015 تضررت النيبال بزلزالين متتاليين ، أحدهما أقوى زلزال منذ أكثر من 80 عامًا. وقد أسفر هذا الحدث الكارثي عن مقتل أكثر من 8600 شخص وتدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية للبلد أو إلحاق أضرار جسيمة بها ، بما في ذلك ما يقرب من 500 ألف منزل وأكثر من 9300 مدرسة. كان التأثير على النظام التعليمي كارثياً ، والانتعاش يتقدم ببطء. بعد مرور عامين على الزلزال ، ما زال أكثر من 70 في المائة من الأشخاص المتضررين في المناطق الأكثر تضرراً يعيشون في ملاجئ مؤقتة. اليوم العديد من الأطفال أن يتلقون التعليم في خيام مؤقتة، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في معدلات التسرب. وحتى يناير 2018 ، لم يتم إعادة بناء سوى 88112 مسكناً خاصاً و 2891 مدرسة.

أحد أسباب بطء التقدم في التنمية هو انعدام الاستقرار السياسي. لا يزال المجتمع النيبالي زراعيًا إلى حد كبير،  كما تسيطر طبقة النخب الهندوسية العليا على مجتمع متعدد الثقافات يضم 125 مجموعة طائفية تتحدث 123 لغة . فقط 44.6 % من السكان يتحدثون اللغة النيبالية مما يشكل تحدي كبير على التعليم.

 

 

 

 

تطوير التعليم في حالات الكوارث

اجتمعت اليوم مع ممثلة من جمعية “دبي كيرز” أو “دبي العطاء” في كاثمندو.  يتركز عمل دبي العطاء على تنمية التعليم في الدول النامية. كان هدف الاجتماع التعلم عن استراتيجيات تطوير التعليم في حالات الطوارئ و الكوارث و الذي ينفذ الآن في النيبال بعد كارثة الزلزال. يتضمن البرنامج توفير فرصة للأطفال للتعلم والتعامل مع الأزمات و الكوارث  الطبيعية، يمتد البرنامج لثلاث سنوات يعرف باسم “جهود الإنعاش بعد الزلزال من أجل التعليم في نيبال”. يطبق البرنامج على مرحلتين للإنعاش: الأولى تركز على البنية التحتية وبيئات التعلم بما في ذلك إعادة بناء وتجديد 10 مدارس تضم 115 فصلاً دراسيا في مقاطعة نواكوت ؛ وتتكون الثانية من تنفيذ برنامج شامل لمحو الأمية يستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و 10 في 100 مدرسة.

الجميل في البرنامج أن الجهة المانحة – في هذه الحالة دبي العطاء- تعمل بالتعاون مع جمعيات محلية و عالمية لتنفيذ البرنامج و قد تم الانتهاء من مرحلة البنية التحتية للمدارس و يدرسون الآن مشروع بناء القدرات و مسح الأمية. كما أن الجهة المانحة لا تكتفي بالتبرع بل تعين مديرا للمشروع يزور البرنامج بشكل دوري و يتم قياس الأثر و نشره في تقارير دورية للتأكد من فعالية البرامج التنموية.  الهدف الإنمائي للنيبال واضح جدا و يلخص في سطر:

تحسين نوعية التعليم الأساسي والثانوي  و تمكين الأطفال من الوصول إليه بشكل عادل وفعال.

 

 

الكوارث و تعزيز التعليم

الحروب والكوارث الطبيعية والأوبئة و الصراعات في يومنا هذا تحرم ملايين الأطفال من الدراسة و أعدادهم في ارتفاع مستمر و ليس تناقص. القيمة التي نتعلمها هنا، أنه حتى في حالات الطوارئ الحرجة عندما تفقد المجتمعات كل شيء ، يبقى التعليم على رأس قائمة الأولويات. تعزيز أنظمة التعليم في أوقات الأزمات يدعم بناء السلام ويوفر السلامة الجسدية والنفسية للأطفال. الاستثمار في التعليم في أوقات الأزمات يبني القدرة على الصمود والتماسك الاجتماعي، وهو أساسي لتحقيق الانتعاش المستدام.

 

و بالنسبة لرحلتي، ما زلت على الجبل.. أطور من إنسانيتي.

 

One response to “النيبال: الزلازل و التعليم”

  1. خليل القعيسي says:

    قررت أن أبتعد قليلا… ربما ليس قليلا، لأنني اخترت مكانًا قصيًّا.

    السّفر البعيد له أوقاعٌ تغور في الوجدان، وتبني شعورًا يفوق التّصوّر، كم يجدر بالنّفس أن تغادر جغرافيا وجودها الآني، لتسمو بكلّ جديد …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *