منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

القيادة بحب و ساندويتش السلمون البارد

September 8, 2018

 

 

 

 

 

 

قِصَّةٌ مِنَ الْماضي

في أَثْناءِ حَياتي الْمِهْنِيَّةِ، مَرَّ بِيَ صِنْفانِ مِنَ الْقادَةِ: صِنْفٌ يَقودُ بِالْعَصا وَأُسْلوبِ السَّيْطَرَةِ، وَآخَرُ يَقودُ بِالْحُبِّ. أَتَذَكَّرُ قِصَّةً طَريفَةً، حَدَثَتْ مَعي وَأَنا طالِبَةٌ، حَيْثُ كُنْتُ أَعْمَلُ كَمُساعِدَةٍ إِدارِيَّةٍ لِإِحْدى الشَّخْصِيّاتِ الْبارِزَةِ في بريطانيا. كانَتْ هذِهِ السَّيَّدَةُ تَقودُ مَجْموعَةً مِنَ الْجِهاتِ الْخَيْرِيَّةِ في دَعْمِ وَتَمْكينِ الْمَرْأَةِ، كُنْتُ حينَها طالِبَةً مُتَحَمِّسَةً، مِثالِيَّةً، صَغيرَةً، غَرَّةً، غايَةً في الُّلطْفِ، غُصْنًا غَضًّا وَإِنْ شِئْتَ كَما يَقولونَ: “لَحْمٌ طًرٍيٌّ”. كُنْتُ قَدْ تَقَدَّمْتُ إِلى هذِهِ الْوَظيفَةِ إِلى جانِبِ الدِّراسَةِ؛ لِأَنَّ مَلَفَّ الْمَرْأَةِ، وَتَمْكينَها يَعْني لِيَ الْكَثيرَ. كانَتْ هذِهِ السَّيَّدَةُ نُسْخَةً طِبْقَ الْأَصْلِ مِنَ الشَّخْصِيَّةِ الَّتي ظَهَرَتْ في فيلْمِ: (The Devil Wears Prada). إِذْ كانَتْ تَقْضي مُعْظَمَ يَوْمِها في “Downing Street” مَعَ كَثيرٍ مِنَ السّاسَةِ الْمُؤَثِّرينَ في بريطانيا، إِلا أَنَّها كانَتْ تُمَثِّلُ كُلَّ شَيْءٍ لا أُؤْمِنُ بِهِ مِنْ أَخْلاقٍ سَيِّئَةٍ: نِفاقٍ وَتَمَلُّقٍ، كَثيرٍ مِنَ الصُّراخِ، وَاحْتِقارٍ لِمَنْ يَعْمَلُ لَدَيْها. كانَتْ تُعامِلُ الْبَناتِ في الْمُنَظَّمَةِ بِتَجاهُلٍ وَاحْتِقارٍ، لكِنَّها لَمْ تُعامِلْني بِمِثْلِ ذلِكَ. قُلْتُ لِنَفْسي حينَها: تَحَمَّليها؛ لِأَتَعَلَّمَ مِنْ دَهائِها السِّياسِيِّ، وَفي حالِ تَجاوَزَتْ حُدودَها مَعي، سَأَقِفُ لَها بِالْمِرْصادِ. مَرَّتِ الْأَشْهُرُ، وَفي يَوْمٍ مِنَ الْأَيّامِ، فاجَأَتْني وَهِيَ تَصْرُخُ في وَجْهِيَ: “لِمَ وَضَعْتِ ساندويتش السَّلَمون في الثَّلّاجَةِ؟ أَلَا تَفْهَمينَ أَنَّني لا أُحِبُّهُ بارِدًا؟”

أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا ذلِكَ الْيَوْمَ، سَحَبْتُ شَنْطَتي مِنَ الْكُرْسِيِّ وَقُلْتُ لَها قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ: “يَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّمي التَّحَدُّثَ بِطَريقَةٍ مُتَوائِمَةٍ مَعَ ما تُقَدِّمينَهُ في عُروضِكِ أَمامَ النّاسِ”، هنا انْصَدَمَتِ الُّلورد الْمَوَقَّرَةُ، وَمَرَّتْ لَحْظَةُ صَمْتٍ وَهِيَ واقِفَةٌ كَالتِّمْثالِ مِنْ هَولِ رَدَّةِ فِعْلي. وَقَطَعْتُ شَريطَ الصَّمْتِ بِقَوْلي: “أَعْتَذِرُ مِنْكِ، سَأَعْمَلُ عِنْدَ شَخْصِيَّةٍ أُحِبُّها وَأَحْتَرِمُها، وَمِمّا يُؤْسِفُني، أَنَّكِ لا تُمَثِّلينَ شَيْئًا مِنَ الْقِيَمِ الَّتي تَدَّعينَها”، خَرَجْتُ وَلَمْ أَعُدْ.

ما زِلْتُ أُؤْمِنُ بِما قُلْتُهُ قَبْلَ عَشْرِ سَنَواتٍ: “أَنْ تَقودَ بِحُبٍّ، هُوَ الْأَهَمُّ!”

 

قِصَصٌ مِنَ الْحاضِرِ

انْتَهَتْ إِحْدى جَلْساتِ التَّغْذِيَةِ الرّاجِعَةِ مَعَ أَحَدِ أَعْضاءِ فَريقِ “إِمْكان”، وَسَأَلْتُهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَمَعْتُ لَهُ بِعُمْقٍ حَوْلَ نِقاطِ تَحْسينِ الْعَمَلِ:
أَتَأمُرُني بِشَيْءٍ آخَرَ؟
أَجابَني: لا، فَقَطْ نُحِبُّكِ.
قُلْتُ لَهُ: وَأَنا أُحِبُّكُمْ

نَحْنُ نَسْتَخْدِمُ كَلِمَةَ “الْحُبَّ” كَثيرًا في الْعَمَلِ. أَمّا عَلى الصَّعيدِ الشَّخْصِيِّ، فَأَسْتَخْدِمُها كَثيرًا مَعَ الْفَريقِ. قالَتْ لِيَ إِحْدى “الْإِمْكانرز”: ” تستغرب النّاسُ، كَمْ نَحْنُ نُحِبُّ بَعْضَنا في الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُمْ لا يُحِبّونَ بَعْضَهُمْ في الشَّرِكَةِ”. قَدْ يُقالُ: “الْمَرْأَةُ أَكْثَرُ عاطِفَةً”، طَبيعِيُّ أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ مَحَبَّتِها لِزَميلَتِها وَعَمَلِها وَعُمَلائِها، لكِنَّ الْأَجْمَلَ في “إِمْكان” – وَشَهادَتي هُنا مَجْروحَةٌ – أَنَّ الزُّمَلاءَ مِنَ الشَّبابِ، أَصْبَحوا يَسْتَخْدِمونَ كَلِمَةَ: “نُحِبُّكُمْ”، بِعَفَوِيَّةٍ وَصِدْقٍ. أَنا مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّ مَنْ يَأْتي إِلى الْعَمَلِ مَعَنا، سَيَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ “التَّوَتُّرِ” في الْأَسابيعِ الْأُوَلِ؛ مِنْ شِدَّةِ الْمَحَبَّةِ الْمُتَبادِلَةِ. أَتَخَيَّلُ الصَّدْمَةَ في وُجوهِ الشَّبابِ عِنْدَما يَأْتونَ إِلى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّني رَأَيْتُها كَثيرًا، يَصْفَرُّ وَجْهُ الشّابِّ، وَتَتَجَمَّدُ عُروقُهُ لِثَوانٍ، وَأنا أَضْحَكُ في داخِلي وَأَقولُ: سَيَتَعَوَّدُ تَدْريجيًّا عَلى الْمَحَبَّةِ الْمُتَبادَلَةِ وَالتَّعْبيرِ الْمُتْقَنِ. وَهذا ما يَحْدُثُ فِعْلًا، الذَّكاءِ الْعاطِفِيِّ عِنْدَ شَبابِ “إِمْكان” يَرْتَفِعُ فَجْأَةً! الذَّكاءُ الْعاطِفِيُّ مَهارَةٌ ضَرورِيَّةٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلى حَدٍّ سَواءٌ، وَنَهْجٌ أَساسِيٌّ لِلنَّجاحِ في شَتّى نَواحي الْحَياةِ. فَكُلُّنا “أُسْرَةٌ” بِكُلِّ ما تَحْمِلُهُ الْكَلِمَةُ مِنْ مَعانٍ.
وَمِنْ نافِذَةٍ أُخرى، أَذْكُرُ مَوْقِفًا آخَرَ، حَيْثُ ذَكَرَتْ لِيَ إِحْدى الْعُضْواتِ، أَنَّ أَحَدَ مُنْتَسِبي “إِمْكان” السّابِقينَ، يَوَدُّ لَوْ يَعودَ، رَغْمَ أَنَّهُ حَظِيَ بِوَظيفَةٍ جَيِّدَةٍ جِدًّا بِدَخْلٍ شَهْرِيٍّ مُمَيَّزٍ، وَتَحَدِيّاتٍ وَخِبْراتٍ سَتُضيفُ لَهُ الْكَثيرَ مِهْنِيًّا، وَسَأَلْتُها لِماذا؟! فَفي ظَنّي، أَنَّ مَكانَهُ – حالِيًّا – هُوَ الْأَفْضَلُ. قالَتْ عَلى لِسانِهِ: “لِأَنَّني أُحِبُّ “إِمْكان” إِنَّ الْحُبَّ لَأَفْضَلُ طَريقَةٍ في اسْتِقْطابِ الْمَهاراتِ! حَقيقةً، تَوَقَّفَ شَعْرُ رَأْسي جَرّاءَ هذا الْمَوْقِفِ؛ لِأَنَّ مَحَبَّةَ النّاسِ وَثِقَتَهُمْ، نِعْمَةٌ لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. هِيَ طاقَةٌ إِيجابِيَّةٌ نُشارِكُها مَنْ نُحِبُّ، مِنْ أَجْلِ التَّعاوُنِ عَلى حَلِّ الْقَضايا الَّتي نُريدُ حَلَّها كَفَريقٍ مَعًا. بالرَغْمَ أَنَّني كثيرة العيوب: سَريعَةَ التَّأَثُّرِ فَرَحًا وَغَضَبًا، جَريئَةً إِلى حَدِّ الصَّراحَةِ الْمُزْعِجَةِ أَحيانًا، وَ”دِكْتاتورة” بِرُخْصَةٍ وَاسْتِمارَةٍ، قَليلَةَ الصَّبْرِ، قاسِيَةً في تَغْذِيَتي الرّاجِعَةِ عَلى الْفَريقِ، كَثيرَةَ التَّواصُلِ وَالزَّنِّ، عَصَبِيَّةًNeurotic أَحْيانًا، وَأَمُرُّ بِعَواصِفَ فِكْرِيَّةٍ، مُخاطِرَةً، وَلا أَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، كَقَوْلِ أَحَدِ الْأَصْدِقاءِ: “صاروخٌ باليسْتِيٌّ بِرَأْسٍ نَوَوِيٍّ”.

الحب و القيادة

إِنَّ الْحُبَّ وَالْقِيادَةِ كَلِمَتانِ، يَنْدُرُ وَضْعُهُما في الْإِطارِ نَفْسِهِ. بَعْدَ سَنَواتٍ مِنَ الْعَمَلِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ الْحُبَّ هُوَ مِفْتاحُ الْقِيادَةِ النّاجِحَةِ. الْحُبُّ هُوَ الْعامِلُ الْوَحيدُ الَّذي يُمَيِّزُ الْقائِدَ الْجَيِّدَ مِنَ الْقائِدِ الْعَظيمِ. الْحُبُّ أَقْوى مِنَ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَخافُكَ، لَنْ يَصْدُقَكَ الْقَوْلَ، “سَيُطَبِّلُ وَيُسَلِّكُ”، بَيْنَما يَنْهارُ الْعَمَلُ، لكِنَّ مَنْ يُحِبُّكَ، قَدْ يَقْسو عَلَيْكَ في التَّغْذِيَةِ الرّاجِعَةِ؛ لِتَجْويدِ الْعَمَلِ؛ لِيَخْرُجَ الْعَمَلُ في أَحْسَنِ تَقْديرٍ.

وَالْحَقيقَةُ، أَنَّ هذا لَيْسَ كَلامي، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ هُراءٍ. Jack Ma مُؤَسِّسُ Alibaba يَقولُ: “مِنْ أَجْلِ النَّجاحِ، سَتَحْتاجُ إِلى مُعَدَّلِ ذَكاءٍ عاطِفِيٍّ عالٍ EQ؛ وَلِلْحُصولِ عَلى احْتِرامِ النّاس؛ فَإِنَّكَ تَحْتاجُ إِلى مُعَدَّلِ حُبٍّ عالٍ LQ”. كَما تُوجَدُ الْعَديدُ مِنَ الْمَقالاتِ في الْمَجّلّاتِ الدَّوْرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ مِثْلَ الـ(HBR ) وَغَيْرِها الَّتي تَتَحَدَّثُ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الْقِيادَةِ بِحُبٍّ. رَغْمَ أَنَّ “الْحُبَّ”، هِيَ كَلِمَةٌ لا نَسْمَعُها كَثيرًا في الْمَمَرّاتِ الْمَكْتَبِيَّةِ أَوْ غُرَفِ الْمُؤْتَمراتِ. مَعَ ذلِكَ، تُشيرُ الدِّراساتُ إِلى تَأْثيرِهِ الْقَوِيِّ عَلى نَتائِجِ الْعَمَلِ. كُلَّما شَعَرَ الزُّمَلاءُ في الْعَمَلِ بِالْأُلْفَةِ، تَحَسَّنَ الْأَداءُ. كَما أَنَّ ثَقافَةَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّعايَةِ، تُؤَدّي إِلى مُسْتَوياتٍ أَعْلى مِنَ الرِّضا وَالْعَمَلِ الْجَماعِيِّ وَالْإِبْداعِ وَقِلَّةِ التَّغْييبِ. إِنَّ هذا النَّوْعَ مِنَ الثَّقافَةِ، يَرْتَبِطُ ارْتِباطًا مُباشِرًا بِنَتائِجَ وَرِضا الْعُمَلاءِ.

 

لكِنَّ سُؤالًا يَبْقى: كَيْفَ نَقودُ بِحُبٍّ؟

 

 

أَوَّلًا: أَحِبَّ نَفْسَكَ

“لا يُمْكِنُنا أَنْ نُحِبَّ الْآخَرينَ، ما لَمْ نَتَمَكَّنْ مِنْ حُبِّ أَنْفُسِنا”، قَوْلٌ مَأْثورٌ، يَحْمِلُ الْعَديدَ مِنَ الْمَعاني، أَبْرَزُها أَنَّ الْحُبَّ يَزْدِهِرُ عِنْدَما نُقَدِّمُهُ لِلْآخَرينَ، لكِنَّهُ دائِمًا يَبْدَأُ عِنْدَ النَّفْسِ. كَقائِدِ نَفْسِكَ، حَياتِكَ، أَوْ عائِلَتِكَ، أَوْ مُنَظَّمَتِكَ، أَوْ مُجْتَمَعِكَ، أَوْ مَدينَتِكَ، أَوْ بَلَدِكَ، يَجِبُ أَنْ تُمَثَّلَ التَّغْييرَ الَّذي تُريدُ رُؤْيَتَهُ في دائِرَةِ تَأْثيرِكَ. حُبُّ الذّاتِ مِنَ الْمَهاراتِ الْأَصْعَبِ تَعَلُّمًا؛ لِأَنَّ الْقائِدَ الْمُتَمَيِّزَ، شَديدُ الْقَسْوَةِ عَلى نَفْسِهِ غالِبًا. حُبُّ الذّاتِ، يَخْتَلِفُ عَنِ الْغُرورِ أَوِ الْكِبْرِ، وَحُبُّ الذّاتِ لَيْسَ “جُنونَ الْعَظَمَةِ” أَلْبَتَّةَ. يَنْظُرُ الْكَثيرُ إِلى حُبِّ الْإِنْسانِ لِذاتِهِ كَنَوْعٍ مِنَ النَّرْجَسِيَّةِ وَالْأَنانِيَّةِ، هذِهِ الْحالَةُ تَكونُ إِذا زادَ مُعَدَّلُ حُبِّ الذّاتِ عَنْ الْمُسْتَوى الطَّبيعِيِّ، وَتَحَوَّلَ إِلى الْمُبالَغَةِ في تَغْليبِ الذّاتِ وَالْمَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ عَلى الْمَصْلَحَةِ الْعامَّةِ. هُناكَ الْعَديدُ مِنَ الْأُمورِ الَّتي يُمْكِنُ الْقِيامُ بِها؛ لِتَنْمِيَةِ حُبِّ الذّاتِ وَالسَّلامِ الدّاخِلِيِّ: مِنْ مِثْلِ جَلْساتِ التَّأَمُّلِ، وَالْجُلوسِ بِهُدوءٍ لِبِضْعِ دَقائِقَ يَوْمِيًّا، وَتَقْديرِ الذّاتِ وَالْاسْتِمْتاعِ لَها، هذا كُلُّهُ يُعَزِّزُ الْاهْتِمامَ بِالذَاتِ، ناهيكَ عَنِ الْقِيامِ بِأَشْياءَ جَديدَةٍ لَها هَدَفٌ إِنْسانِيٌّ سامٍ، إِنَّ تَطْويرَ الذّاتِ وَتَعَلُّمَ مَهاراتٍ جَديدَةٍ، أَوْ مُمارَسَةَ هِواياتٍ مُعَيَّنَةٍ، تَزيدُ مِنْ شُعورِنا بِالسَّعادَةِ. حُبُّ ذَواتِنا يُؤَثِّرُ في صِحَّتِنا النَّفْسِيَّةِ، مِمّا يُؤَثِّرُ بِدَوْرِهِ في فَريقِنا. فَالْمُؤَسَّسَةُ لا يُمْكُنُ أَنْ تَتَجاوَزَ قائِدَها، وَتُشْبِهُ سِماتِ الْقائِدِ غالِبًا.

No organization can advance faster than its leader, which makes personal development essential.

ثانِيًا: الْاهْتِمامُ وَالتَّعاطُف مَعَ فَريقِكَ

لم يعد الْوَلاءُ مجرد روتينٍ أَوْ واجِبٍ، بَلْ هُوَ عاطِفَةٌ. إِنَّ الْقائِدَ الْعَظيمَ في رَأْيي، هُوَ مَنْ يَهْتَمُّ وَيَتَعاطَفُ مَعَ فَريقِهِ. وَيُدْرِكُ بِحِسِّهِ الْعالي ما يَمُرّونَ بِهِ، هُوَ مَنْ يَدْعَمُهُمْ وَيَرْصُدُ مَخاوِفَهُمْ، أَحْيانًا يَرْسُمُ لَهُمْ وَصْفًا وَظيفِيًّا مُعَيَّنًا، بِحَسْبِ نِقاطِ الْقُوَّةِ عِنْدَهُمْ. مَعَ تَطَوُّرِ التِّكْنولوجيا، تَتَغَيَّرُ الطَّريقَةُ الَّتي نَعْمَلُ بِها. فَكَثيرٌ مِنَ الْمَهامِ الَّتي كُنّا نَقومُ بِها، تُنَفَّذُ بِشَكْلٍ كَثيفٍ بِوَساطَةِ الْآلاتِ. مَعَ الْعَوْلَمَةِ، أَصْبَحَ الَّذينَ نَتَعاوَنُ مَعَهُمْ، يَجْلِسونَ في الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْعالَمِ غالِبًا، أَوْ في بَلَدٍ آخَرَ أَوْ يَتَحَدَّثونَ لُغَةً مُخْتَلِفَةً، وَيَمْتَلِكونَ ثَقافَةً أُخْرى. لَقَدْ أَصْبَحَتِ التَّفاعُلاتِ الْبَشَرِيَّةَ الَّتي تَكْمُنُ وَراءَ صُنْعِ الْقَرارِ الْجَيِّدِ وَحَلِّ الْمُشْكِلاتِ الْمُعَقَّدَةِ، هَشَّةً.
الْبَياناتُ مُهِمَّةٌ في اتِّخاذِ الْقَرارِ الصَّحيحِ، رُبَّما شَكَّلَتْ إِحْدى الْأَساسِيّاتِ، لكِنَّ الْجانِبَ الْبَشَرِيَّ، لا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً. عِنْدَما نَذْهَبُ لِلْعَمَلِ، لا نَتْرُكُ إِنْسانِيَّتَنا في الْمَنْزِلِ. بَلْ يُصاحِبُنا لِلْعَمَلِ، احْتِياجاتُنا وَعَواطِفُنا وَأَحْلامُنا كَذلِكَ. نَذْهَبُ إِلى الْعَمَلِ وَنُريدُ مِنْ زُمَلائِنا أَنْ يَحْتَرِمونا، وَيَعْتَرِفوا وَيَهْتَمّوا بِنا – وَنُريدُ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الْأَشْخاصَ الَّذينَ يَقودونَنا، يَفْعَلونَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ. تُعَدُّ طَريقَةُ تَعامُلِكَ مَعَ الْفَريقِ، عَلامَةً فارِقَةً في كَيْفِيَّةِ تَعامُلِكَ مَعَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ في عَمَلِكَ وَفي حَياتِكَ.

 

ثالِثًا: التَّحْفيزُ وَالْإِلْهامُ أَساسٌ

إِنَّ قِيادَةَ الْحُبِّ تَعْني إِدْراكَ ما يُلْهِمُ النّاسَ وَيُمَكِّنُهُمْ. أَنْتَ لا تُساعِدُ نَفْسَكَ عَلى النَّجاحِ، أَنْتَ تُمَكِّنُهُمْ مِنَ النَّجاحِ، وَهذِهِ رُؤْيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ تَتَطَلَّبُ أُسْلوبًا مُخْتَلِفًا في فَنِّ التَّعامُلِ. مِنَ الصَّعْبِ أَنْ تَكونَ مُلْهِمًا طَوالَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّكَ كَرائِدِ أَعْمالٍ، تَمُرُّ بِعَواصِفَ لِحِمايَةِ الْمُؤَسَّسَةِ. لكِنَّ الْعَمَلَ الْأَساسِيَّ لِلْقائِدِ – إِضافَةً إِلى رَسْمِ خُطَّةَ الطَّريقِ وَالرُّؤْيَةِ – هُوَ “الْإِلْهامُ” وَتَذْكيرُ الْجَميعِ بِالْهَدَفِ الْأَسْمى لِلْعَمَلِ. كَما يَعْني الْإِلْهامُ – أَيْضًا – أَنْ تَكونَ قُدْوَةً لِلْفَريقِ. صارِفًا النَّظَرَ عَنِ “الْمُعامَلاتِ” الَّتي لا تُوائِمُ قِيَمَ الْمُؤَسَّسَةِ. عِنْدَما يَراكَ فَريقُكَ وَأَنْتَ تنتقي الْمَشاريعِ، هذا مُلْهِمٌ بِحَدِّ ذاتِهِ؛ لِأَنَّ الْحُبَّ أَحْيانًا يَعْني التَّرْكَ.
Walk away from deals that are not aligned with your core values

سَتَكونُ أَكْثَرَ إِلْهامًا لِفَريقِكَ إِذا كانَ عَمَلُكَ الْيَوْمِيُّ في تَناغُمٍ تامٍّ مَعَ قِيَمِكَ وَأَهْدافِكَ في الْحَياةِ و “مُهِمَّتِكَ” عَلى الْأَرْضِ. تَأَكَّدْ أَنَّكَ تُعيدُ بَرْمَجَةَ ذاتِكَ بِشَكْلٍ دَوْرِيٍّ لِتَكونَ مُتَّصِلٍ مَعَ حَقيقَةِ ذاتِكَ.

رابِعًا: كُنْ شُجاعًا وَتَحَدَّثْ عَنِ الْقَضايا الصَّعْبَةِ بِصَراحَةٍ

الْكَمالُ للهِ وَحْدَهُ، وَالْجَميعُ يُخْطِئُ، لكِنَّ مَيْلَنا الطَّبيعِيَّ هُوَ إِخْفاءُ إِخْفاقاتِنا، وَتَغْطِيَةُ مَواطِنِ ضَعْفِنا. إِنَّ تَقْبل أَوْجُهَ الْقُصورِ، يَزيدُ قُدْرَتَنا عَلى تَحَمُّلِ الْآخَرينَ. لكِنَّ الْقِيادَةَ بِحُبٍّ تَعْني الشَّجاعَةَ في الْمواقف الصَّعْبَةِ، أَنْ نُعْطِيَ تَغْذِيَةً راجِعَةً حَقيقيَّةً عَنْ أَداءِ الْفَريقِ دونَ مُجامَلاتٍ. قَدْ تُسَبِّبُ الْقَلَقَ وَقَدْ تُزْعِجُ فَريقَكَ أَحْيانًا، لكِنَّها بَعْدَ فَتْرَةٍ، سَتَفْتَحُ لَهُمْ آفاقًا لِلتَّفَكُّرِ في أَدائِهِمْ. الْحَديثُ الشُّجاعُ مَزيجٌ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْحَقيقَةِ. إِنَّ أَكْثَرَ شُعورٍ أَكْرَهَهُ، عِنْدَما أَضْطَرُّ لِإِلْغاءِ عَقْدِ أَحَدِ مَنْسوبي الْفَريقِ؛ نَظَرًا لِعَدَمِ تَوافُقِ الْأَداءِ مَعَ الْمُتَوَقَّعِ. لكِنْ، الصَّراحَةُ نَوْعٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَلَيْسَ عَدْلًا أَنْ تَتْرُكَ شَخْصًا في الْمَكانِ غَيْرِ الْمُناسِبِ؛ لِأَنَّ الْآثارَ السَّلْبِيَّةَ سَتؤثر على الْجَميعَ، و قد َتَضَعُهُمْ في مَأْزَقٍ مِهْنِيٍّ؛ لِأَنَّكَ تُدْرِكُ تَمامًا أَنَّهُمْ سَيَفْشَلونَ.

خامِسًا: الْقِيادَةُ بِحُبٍّ، تَتَفَوَّقُ عَلى الْقِيادَةِ بِخَوْفٍ

Its only energy that creates profit, the way human energy is focused in an organization produces results
The Fear Free Organization, Paul Brown

قَرَأْتُ مُؤَخَّرًا كِتابَ: “الْمُنَظَّمَةُ الْخالية من الخوف: رُؤًى حَيَوِيَّةٌ مِنْ عِلْمِ الْأَعْصابِ لِتَحْويلِ ثَقافَةِ عَمَلِكَ” يَنْظُرُ الكتاب إِلى الْعِلْمِ الْعَصَبِيِّ وَيُلَخِّصُ أَنَّ الْقِيادَةَ بِحُبٍّ، تَحْمِلُ أَكْبَرَ قَدْرٍ مِنَ الْفَوائِدِ عَلى الْمُنَظَّمَةِ. و يتطرق الكتاب إلى تاريخُ أَساليبِ الْقِيادَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَكَيْفَ تَطَوَّرَتْ مُنَظَّماتُ الْمَوارِدِ الْبَشَرِيَّةِ مَعَ مُرورِ الْوَقْتِ. هُناكَ الْعَديدُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلى الْكَيْفِيَّةِ الَّتي يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدّي بِها الْخَوْفُ إِلى نَتائِجَ عَكْسِيَّةٍ، وَكَيْفَ أَنَّ الْقِيادَةَ بِالْحُبِّ أَكْثَرُ فَعالِيَّةً. و كما يوضح المؤلف:
“تَقومُ الثّقافاتُ الْقائِمَةُ عَلى الْخَوْفِ، بِتَعْزيزِ التَّفْكيرِ قصير المدى: فَأَنْتَ تُصْبِحُ دِفاعِيًّا، وَتَسْعى لِتَجَنُّبِ الْمُواجَهَةِ أَوِ الْانْتِقامِ وَالتَّرْكيزِ عَلى الْقَضاءِ عَلى أَيَّةِ تَهْديداتٍ بَدَلًا مِنَ الْعَمَلِ مَعًا كفريق”

إِنَّ الْقِيادَةَ الَّتي تُحْدِثُ فَرْقًا، هِيَ الْقِيادَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلى الْحُبِّ وَالشَّجاعَةِ وَالثِّقَةِ وَلَيْسَ الْخَوْفَ. النّاس الْخائِفونَ، يَقْضونَ الْكَثيرَ مِنَ الْوَقْتِ في التَّخْطيطِ؛ لِبَقائِهِمْ عَلى قَيْدِ الْحَياةِ بَدَلًا مِنَ الْعَمَلِ بِشَكْلٍ مُنْتِجٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ هذا في الْعَديدِ مِنَ الْمُؤَسَّساتِ الَّتي أَعْمَلُ مَعَها الْيَوْمَ، وَهذا بِدَوْرِهِ يَشُلُّ الْعَمَلَ. الْمُنَظَّمَةُ النّاجِحَةُ هِيَ الَّتي تَعْمَلُ بِالْإِلْهامِ وَالْمَحَبَّةِ:

وَخِتامًا، الْحُبُّ عاطِفَةٌ، وَطاقَةٌ وَقِصَّةٌ لا تُنْسى. الْحُبُّ عاطِفَةٌ خَلَقَتْ صِناعاتٍ عَديدَةً وَغَيَّرَتْ خَرائِطَ الْعالَمِ وَأَشْعَلَتْ حُروبًا، وَخَلَقَتْ سَلامًا. مَنْ يُريدُ أَنْ يُؤَثِّرَ حَقًّا … يَجِبُ أَنْ يَكونَ هُوَ “الْحُبُّ”.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *