منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

أَقوى امرَأَة أسطورِية على مَرّ التاريخِ

August 17, 2018

 

تِمْثالٌ مَعْدِنِيٌّ يَبْلُغُ طولُهُ مِتْرًا وَخَمْسَةً وَعِشْرينَ سَنْتِمِترٍ، نُصِبَ عامَ ثَلاثَةَ عَشَرَ وَتِسْعِمِئِةٍ وَأَلْفٍ، هُوَ سَبَبُ اخْتِياري لِوِجْهَتيَ الصَّيْفِيَّةِ لِهذا الْعامِ.  تِمْثالُ حورِيَّةِ الْبَحْرِ الصَّغيرَةِ، الَّذي يَجْلِسُ عَلى صَخْرَةٍ عِنْدَ مَرْفَأِ كوبِنْهاغِن بِالدِّنِمارك.

عِنْدَما كُنْتُ طِفْلَةً، كُنْتُ أُحِبُّ الْقِصَصَ الْخَيالِيَّةِ. كِتِلْكَ الَّتي تَتَكَلَّمُ فيها الْحَيواناتُ، وَقِصَصَ الْفَتياتِ وَالْفِتْيانِ الشُّجْعانِ الَّذينَ يَنْتَصِرونَ عَلى الْقَسْوَةِ، وَالْأَميرَةِ النّائِمَةِ الَّتي تَسْتَيْقِظُ لِتَرى فَتى أَحْلامِها، وَالْجَميلَةِ وَالْوَحْشِ، وَعَلاءِ الدّينِ وَالْمِصْباحِ السِّحْرِيِّ، وَغَيْرَها مِنَ الْقِصَصِ الَّتي شَكَّلَتْ جُزْءًا كَبيرًا مِنْ دَوْلَةِ طُفولَتي، بَلْ جُزْءًا كَبيرًا مِنْ شَخْصِيَّتي الْبانورامِيَّةِ الْيَوْمَ. لا أُنْكِرُ أَنَّني ما زِلْتُ طِفْلَةً تَعيشُ كَثيرًا مِنْ هذِهِ الْقِصَصَ في خَيالِها دونَ وَعْيٍ. أَعيشُ رَسائِلَها وَأَعْتَبِرُ بِدروسِها الَّتي تَعَلَّمْتُ مِنْها كَيْفَ أُواجِهُ الظُّلْمَ، وَالْخُروجُ مِنْ مَأْزِقِ التَّناقُضاتِ في الْحَياةِ الَّتي تَسْتَنِدُ إِلى أَساطيرَ خَيالِيَّةٍ نَشَأَتْ في مُعْتَقَداتٍ ثَقافِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، تَشَكَّلَ فيها الْإِنْسانُ؟

أَنا أَيْضًا مِنَ الْجيلِ الَّذي تَرَبّى عَلى أَفْلامِ دِيزْني الَّتي كانَتْ تَنْتَهي – في مُجْمَلِها – نِهاياتٍ سَعيدَةً. يَموتُ الشِّريرُ، تَتَزوَّجُ الْأَميرَةُ مِنْ حَبيبِها، يَنْتَصِرُ الْخَيْرُ عَلى الشَّرِّ وَالْكُلُّ يَعيشُ في سَعادَةٍ أَبَدِيَّةٍ بَعْدَ ذلِكَ.

عِنْدَما كَبُرْتُ قَليلًا، أَخَذْتُ أَنْحى مَنْحًى جَديدًا في هذا الدَّوْرِ، حَيْثُ اتَّجَهْتُ إِلى الْقِصَصِ وَالرِّواياتِ الْأَصْلِيَّةِ، وَشَرَعْتُ أَقْرَأُ  كُتُبَ الْأَخَوَيْنِ (غريم) مُؤَلِّفَيْ: “السِّنْدريلا” وَرِوايَةَ (هانز كريستيان أندرسون): “حورِيَّةُ الْبَحْرِ الصَّغيرَةِ”، وَراوَدَني شَبَحُ الرُّعْبِ عِنْدَما وَجَدْتُ أَنَّ مُعْظَمَ هذِهِ الْقِصَصِ تَعيسَةٌ مُجِمَلُها، وَأَنَّ كَثيرًا مِنْ تَفاصيلِها الْغَريبَةِ السَّوْداوِيَّةِ قَدْ تَمَّ تَغْييرُها في أَفْلامِ دِيزْني. أَيْ: إِنَّ إِصْداراتِ دِيزْني نُسْخَةٌ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الرِّواياتِ الْحَقيقيَّةِ الْمُظْلِمَةِ الَّتي غالِبًا ما تَحْتَوي في مَضامينِها وَشائِجَ التَّعْذيبِ، وَالْحُزْنِ، وَأَكْلِ لُحومِ الْبَشَرِ وَالْاغْتِصابِ وَغَيْرِها. فَأَخَواتُ سِنْدريلا الشِّريراتِ مَثَلًا، قَطَّعْنَ أَصابِعَ أَرْجُلَهُنَّ؛ لِيَلْبِسْنَ الْحِذاءَ الزُّجاجِيِّ، وَ”الْأَميرَةُ النّائِمَةُ” في رِوايَةِ “جامباتيستا باسيل” الْأَصْلِيَّةِ، يَتِمُّ اغْتِصابِها مِنْ قِبَلِ الْأَميرِ وَغَيْرِها. وَهذِهِ الْأَساطيرُ مِثْلُ كَثيرٍ مِنَ الْأَساطيرِ الشَّعْبِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتي تَمَّ تَناقُلُها عَبْرَ الْأَجْيالِ، فَلا بُدَّ أَنْ تَحْتَوي شَيْئًا مِنَ السَّوْداوِيَّةِ وَالتَّطَرُّفِ في الْوَصْفِ.

لا غَرْوَ أَنَّ مُؤَلّفي الْمُفَضَّلَ عَلى الْإِطْلاقِ هُوَ: (هانز كريستيان أندرسن)، الدِّنماركيُّ (1805م – 1875م). وَلَهُ كِتاباتٌ عَديدَةٌ في الْمَسْرَحِ وَرِواياتُ السَّفَرِ، لكِنَّهُ اشْتَهَرَ بِحكاياتِهِ الْخَيالِيَّةِ. حَيْثُ لا تَقْتَصِرُ شَعْبِيَّةُ (أندرسن) عَلى أَدَبِ الْأَطْفالِ، إِنَّما تَخَطَّتْ مُؤَلَّفاتُهُ الْعُمْرَ وَالْعِرْقَ عُمومًا؛ لِهذا تُرْجِمَ لَهُ ما لا يَقِلُّ عَنْ ثَلاثِ آلافٍ وَثَلاثِمِئَةٍ وَإِحْدى وَثَمانينَ قِصَّةً إِلى أَكْثَرَ مِنْ مِئَةٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرينَ لُغَةً.  وَمِنْ حِكاياتِهِ الَّتي صُبِغَتْ بِشُهْرَةٍ عالَمِيَّةٍ: “مَلابِسُ الْإِمْبراطورِ الْجَديدَةُ” ، “حورِيَّةُ الْبَحْرِ الصَّغيرَةُ”، وَ”مَلِكَةُ الثَّلْجِ”، وَ”الْبَطَّةُ السَّوْداءُ الْبَشِعَةُ”، و”ثامبلينا”، وَغَيْرُها الْكَثيرُ. وَقَدْ أَلْهَمَتْ وَأَلْهَبَتْ قِصَصُهُ وَكِتاباتُهُ فَنَّ الْباليه، وَالْمَسْرَحِيّاتِ وَأَفْلامَ الرُّسومِ الْمُتَحَرِّكَةِ، فَكانَتْ رافِدًا وَمَعينًا لا يَنْضَبُ مِنَ الْإِبْداعِ عِنْدَ رُوّادِ تِلْكَ الْفُنونِ. إِنَّ أَرْوَعَ ما في عالَمِ (أَندرسن) الْقَصَصِيِّ، شَغَفُهُ بِالْقِصَصِ الْخَيالِيَّةِ؛ حَيْثُ اسْتَلْهَمَ هذا الْعِشْقَ مِنْ قِراءَتِهِ كِتابَ: “أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ” – في أَثْناءِ طُفولَتِهِ – الَّذي تُرْجِمَ إِلى الْإِنْجِليزيَّةِ في عامِ سِتَّةٍ وَسَبْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ بِاسْمِ: “الَّليالي الْعَرَبِيَّةُ”.

لَمْ أَسْتَطِعِ النَّوْمَ لَيْلَةَ الْبارِحَةِ وَأَنا يُخالِجُني حَماسٌ شَديدٌ؛ ذلِكَ أَنَّهُ سَيَنْعَمُ ناظِري بِتِمْثالِ حورِيَّةِ الْبَحْرِ! لا عَجَبَ، فَهِيَ أُسْطَورَةُ طُفولَتي الْمُفَضَّلَةِ.

حورِيَّةُ الْبَحْرِ، أَقْوى امْرَأَةٍ عَلى مَرِّ التّاريخِ! لا، وَأَزيدُكَم مِنَ الشِّعْرِ بَيْتًا، إِنَّها وَليدَةُ “أَلْفِ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةٍ”!

 

قِصَّةُ حورِيَّةِ الْبَحْرِ الْأَصْلِيَّةُ.

 

تَعيشُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ في مَمْلَكَةٍ تَحْتَ الْماءِ مَعَ والِدِها الْمُلَقَّبِ بِـ(مَلِكِ الْبِحارِ)، وَمَعَ جَدَّتِها، وَأَخَواتِها الْخَمْسِ الْأَكْبَرِ سِنًّا. عِنْدَما تَبْلُغُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ مِنْ الْعُمُرِ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، يُسْمَحُ لَها بِالسِّباحَةِ إِلى السَّطْحِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ؛ لِتُبْصِرَ الْعالَمَ مِنْ حَوْلِها. كانَتْ إِحْدى تَقاليدِهِمْ في عالَمِ الْبِحارِ، أَنَّ الْفَتاةَ في سِنِّ النُّضْجِ، يُسْمَحُ لَها بِزِيارَةِ الْعالَمِ الْعُلْوِيِّ الْإِنْسِيِّ لِمَرَّةٍ واحِدَةٍ كُلَّ عامٍ. تَعودُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الْحورِيّاتِ لِتَصِفَ ما رَأَتْ مِنْ أَشْكالٍ وَأَجْرامٍ وَأَحْداثٍ في سَطْحِ الْبَحْرِ وَكَأَنَّها رِحْلَةٌ اسْتِكْشافِيَّةٌ سَنَوِيَّةٌ.

عِنْدَما يَحينُ دَوْرُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ الصَّغيرَةُ لِتَرْتَفِعَ إِلى السَّطْحِ، يَحْدُثُ أَنَّها تُراقِبُ احْتِفالًا بَعيدِ ميلادٍ يُقامُ عَلى مَتْنِ سَفينَةٍ تَكْريمًا لِأَميرٍ وَسيمٍ، وَقْتَها تَقَعُ في حُبِّهِ مِنْ أَوَّلِ نَظْرَةٍ، وَيُهَيَّأُ لَلْأَميرِ أَنَّهُ رَأى حورِيَّةَ بَحْرٍ تَجْلِسُ عَلى إِحْدى الصُّخورِ. بَيْنَما تُراقِبُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ هذا الْاحْتِفالَ مِنْ كَثَبٍ، تَمُرُّ السَّفينَةُ  بِعاصِفَةٍ عَنيفَةٍ  فَتَغْرَقُ. وَتَنْشُلُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ الْأَميرَ مِنَ الْغَرَقِ بِشَجاعَةٍ، وَيَسْتَسْلِمُ لَها فاقِدًا وَعْيَهُ، حَيْثُ تَحْمِلُهُ إِلى شاطِئٍ قَريبٍ. مُحاوِلةً إِيقاظَهُ، لكِنَّهُ لا يَسْتَجيبُ، وَتَعْتَرِفُ لَهُ بِحُبِّها، وَفي تِلْكَ الَّلحْظَةِ، تَسْمَعُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ صَوْتَ أَجْراسِ إِحْدى الْمَعابِدِ الْقَريبَةِ مِنَ الشّاطِئِ، وَتَخْرُجُ شابَّةٌ غَضَّةٌ وَسَيِّداتُها مِنَ الْمَعْبَدِ، فَتَتَسَلَّلُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ إِلى الْماءِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَلْمَحْنَها. وَلِسوءِ حَظِّها، لَمْ يَرَ الْأَميرُ حورِيَّةَ الْبَحْرِ الصَّغيرَةِ أَبَدًا، أو يُدْرِكْ حَتّى أَنَّها هِيَ مَنْ أَنْقَذَتْ حَياتَهُ. فَتَراءى لَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتي خَرَجَتْ مِنَ الْمَعْبَدِ، هِيَ مَنْ أَنْقَذَتُ حَياتَهُ.

تَعودُ حورِيَّةُ الْبَحْرِ إِلى عالَمِ الْبِحارِ وَهِيَ تَشْعُرُ أَنَّها تَرَكَتْ جُزْءًا مِنْها عَلى سَطْحِ الْأَرْضِ، وَتَبْدَأُ بِالْبَحْثِ وَتَعَلُّمِ حَياةِ الْبَشَرِ، فَمَنْ يُحِبَّ، يَجِدْ نَفْسَهُ تِلْميذًا نَهِمًا يَتَعَلَّمُ عَنِ الْآخَرِ، يَقولُ جَلالُ الدّينِ الرّومِيِّ في الْحُبِّ: “كانَتْ لَدَيَّ آلافُ الرَّغَباتِ، لكِنَّ شَغَفي بِمَعْرِفَتِكَ يُذيبُ جَميعَ الرَّغَباتِ”. فَأَخَذَتِ الْحورِيَّةُ تَسْأَلُ جَدَّتَها عَنْ حَياةِ الْبَشَرِ، وَتَشْرَحُ الْجَدَّةُ أَنَّ عُمُرَ الْإِنْسانِ أَقْصَرُ بِكَثيرٍ مِنْ عُمُرِ الْحورِيّاتِ الَّلواتي يَعشْنَ إِلى ثَلاثِمِئَةِ سَنَةٍ. وَلكِنْ، عِنْدَما تَموتُ حورِيّاتُ الْبَحْرِ، فَإِنَّها تَتَحَوَّلُ إِلى رُغاوَى الْبَحْرِ، وَيَتَبَخَّرُ أَثَرُها مِنَ الْوُجودِ، في حينِ أَنَّ الْبَشَرَ، لَدَيْهِمْ روحٌ أَبَدِيَّةٌ خالِدَةٌ تَعيشُ في السَّماءِ. لَمْ تَنْبِسِ الْحورِيَّةُ بِبِنْتِ شَفَةٍ، إِلا أَنَّها تَتوقُ إِلى لِقاءِ الْأَميرِ … إَلى الْحُصولِ عَلى روحٍ خالِدَةٍ كَالْبَشَرِ، فَتَذَهْبُ مِنْ ساعَتِها لِزِيارَةِ ساحِرَةِ الْبَحْرِ في بُقْعَةٍ خَطيرَةٍ مِنَ الْمُحيطِ. وَتُساعِدُها السّاحِرَةُ في الْحُصولِ عَلى ساقَيْنِ، مُقابِلَ الْحُصولِ عَلى صَوْتِها بَعْدَ الرُّضوخِ لِشُروطِها الْقَسْرِيَّةِ: حَيْثُ لَنْ تَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَوْدَةِ أَبَدًا إِلى الْبَحْرِ إِنِ اخْتارَتِ التَّحَوُّلَ إِلى إِنْسانَةٍ، وَأَنَّ لِجُرْعَةِ الدَّواءِ السِّحْرِيِّ تَأْثيرًا هادِرًا، سَيَكونُ كَالسَّيْفِ الَّذي يَمُرُّ عَبْرَ جَسَدِها الصَّغيرِ، وَأَنَّها سَتَرْقُصُ رَقْصًا خَيالِيًّا، لكِنَّها سَتَشْعُرُ كَأَنَّها تَمْشي عَلى سَكاكينَ حادَّةٍ وَسَتَنْزِفُ أَقْدامُها، وَأَنَّهُ في حالِ اخْتارَتْ هذا الْقَدَرَ وَتَزَوَّجَ الْأَميرُ مِنْ غَيْرِها، فَسَتَموتُ مُنْكَسِرَةَ الْخاطِرِ، وَتَتَحَوَّلُ بَعْدَها إِلى رُغاوَى الْبَحْرِ، ثُمَّ تَلْتَهِمُها الْأَمْواجُ. وَلَنْ تَحْصُلَ عَلى تِلْكَ الرّوحِ الْأَبَدِيَّةِ الْمَنْشودَةِ إِلّا إِذا تَزَوَّجَها الْأَميرُ.

تَرْضَخُ حورِيَّةُ الْبَحٍرِ لِجَميعِ الشُّروطِ؛ لِأَنَّها أَرادَتْ أَنْ تَكونَ بِرِفْقَةِ مَنْ تُحِبُّ. وَتَسْبَحُ جاهِدَةً إِلى سَطْحِ الْبَحْرِ بِالْقُرْبِ مِنْ قَصْرِ الْأَميرِ، وَتَتَجَرَّعُ الدّواءَ جُرْعَتَهُ. ثُمَّ يَعْثُرُ عَلَيْها الْأَميرُ، وَيُفْتَتَنُ بِجَمالِها وَهَيْأَتِها رَغْمَ صَمْتِها، وَيَنْدَهِشُ لِعَدَمِ قُدْرَتِها عَلى الْكَلامِ. لِتُصْبِحَ الرَّفيقَ الْمُفَضَّلَ لَهُ، وَتَرْقُصُ كَثيرًا رَغْمَ الْآلامِ الَّتي تَشْعُرُ بِها في كُلِّ خُطْوَةٍ مَعَهُ.

عِنْدَما يُشَجِّعُ والِدا الْأَميرِ ابْنَهُما عَلى الزَّواجِ مِنْ أَميرَةٍ في مَمْلَكَةٍ مُجاوِرَةٍ، يَغْضَبُ الْأَميرُ وَيُوهِمُهما أَنَّهُ لَنْ يُحِبَّها، وَيَتَجاوَزُ بِهِما دائِرَةَ الشَّكِّ بِإِقْناعِهِما أَنَّهُ لا يُحِبُّ إِلّا فَتاةَ الْمَعْبَدِ، الَّتي يَعْتَقِدُ أَنَّها هِيَ مَنْ أَنْقَذَتْهُ. وَتَتَسارَعُ وَتيرَةُ الْأَحْداثِ، وَتَزْدادُ الْأُمورُ تَعْقيدًا، وَيَتَّضِحُ أَنَّ الْأَميرَةَ مِنَ الْمَمْلَكَةِ الْمُجاوِرَةِ، هِيَ فَتاةُ الْمَعْبَدِ نَفْسُها، حَيْثُ تَمَّ إِرْسالُها إِلى الْمَعْبَدِ لِلتَّعَلُّمِ. حينَها، يُعْلِنُ الْأَميرُ حُبَّهُ لَها، وَيَتِمُّ الْإِعْلانُ عَنِ الزَّفافِ الْمَلَكِيِّ بِسُرْعَةٍ.

يَحْتَفِلُ الْأَميرُ وَالْأَميرَةُ بِزَواجِهِما عَلى مَتْنِ السَّفينَةِ، وَيَنْكَسِرُ قَلْبُ حورِيَّةِ الْبَحْرِ الَّتي ضَحَّتْ بِأَنْفَسِ ما لَدَيْها. وَيَمْلَأُ قَلْبَها الْيَأْسُ، وَتُفَكِّرُ في تِلْكَ النِّهايَةِ الَّتي تَنْتَظِرُها، لكِنْ، قَبْلَ الْفَجْرِ، تَرى أَخَواتَها الْحورِيّاتِ عَلى السَّطْحِ وَقَدْ جَلَبْنَ لَها سِكّينًا مِنْ ساحِرَةِ الْبَحْرِ، مُقابِلَ قَصِّ شُعورِهِنَّ الطَّويلَةِ الْمُنْسَدَلَةِ انْسِدالَ الّليْلِ. وَقُلْنَ لَها: إِذا قَتَلْتِ الْأَميرَ، فُسَتُصْبِحينَ في حِلٍّ مِنْ شُروطِ السّاحِرَةِ الْقاسِيَةِ، وَتَعودينَ حورِيَّةَ بَحْرٍ مَرَّةً أُخْرى، وَسَتَنْتَهي جَميعُ مُعاناتِكِ، وَسَتَعيشينَ حَياةً كامِلَةً مَعَنا في الْبَحْرِ.

لَمْ تَحْتَمِلْ حورِيَّةُ الْبَحْرَ فِكْرَةَ الْبَقاءِ حَيَّةً، بِقَتْلِ الْأَميرِ النّائِمِ مُمَدَّدًا مَعَ عَروسِهِ الْجَديدَةِ، فَتَرْمي السّكينَ وَتُلْقي بِنَفْسِها عَنِ السَّفينَةِ هاتِفَةً: يَكْفي أَنَّني عَرَفْتُ الْحُبَّ. وَبِلَمْحِ الْبَصَرِ، يَذوبُ جِسْمُها وَتَتَحَوَّلُ إِلى رَغْواتٍ بَيْضاءَ، تَتَلَقَّفُها أَمْواجُ الْبَحْرِ إِلى الشّاطِئِ خالِدَةً تُذَكِّرُنا بِتِلْكَ الْقِصَّةِ الْعَجيبَةِ.

 

 

 

 

التِّمْثالُ يُخَلِّدُ حورِيَّةَ الْبَحْرِ.

 

إِنَّ هذا التِّمْثالَ الَّذي تُشَدُّ إِلَيْهِ أَنْفاسُ الزّائِرينَ، هُوَ تِمْثالٌ برونْزِيٌّ، لِلْفَنّانِ: (إدوارد إريكسن)، يُصَوِّرُ حورِيَّةَ الْبَحْرِ جالِسَةً عَلى صَخْرَةٍ، تَعْلوها نَظْرَةٌ حَزينَةٌ صَوْبَ الشّاطِئِ، كَأَنَّها تَأْمَلُ في مَجيءِ مَنْ تُحِبُّ، بِجانِبِ الْمَرْفَأِ في مَمْشى (لانغليني) في كوبنْهاغِن، في الدّنِمارك؛ لِإِحْياءِ الْقِصَّةِ الْخِيالِيَّةِ الَّتي تَحْمِلُ نَفْسَ الْاسْمِ مِنْ قِبَلِ الْكاتِبِ الدِنِمارْكيِّ: (هانز كريستيان أندرسن). التِّمْثالُ الصّغيرُ هُوَ أَيْقونَةُ كوبِنْهاغِن، وِأَحَدُ مَعالِمِها السِّياحِيَّةِ الرَّئيسيِّةِ مُنْذُ أَنْ كُشِفَ عَنْهُ النِّقابُ عامَ ثَلاثَةَ عَشَرَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ. حورِيَّةُ الْبَحْرِ هُوَ أَحَدُ التَّماثيلِ الْمَشْهورَةِ الَّتي تَرْمُزُ إِلى مَدينَةِ كوبنْهاغِن، كَتِمْثالِ الْحُرِّيَّةِ الَّذي يَرْمُزُ إِلى مَدينَةِ “نيويوركَ”، وَالْمَسيحِ الْفادي الَّذي يَرْمُزُ إِلى مَدينَةِ “ريو دي جانيرو”.

في الْعُقودِ الْأَخيرَةِ أَصْبَحَ هذا التِّمْثالُ هَدَفًا سائِغًا لِلتَّشْويهِ عَلى أَيْدي عُصْبَةٍ مِنَ الْمُخَرِّبينَ وَالنُّشَطاءِ السّياسيِّينَ. نَعَمْ، لَقَدْ تَعَذَّبَتْ كَثيرًا تِلْكَ الْحورِيَّةُ، حَتّى وَهِيَ في صورَةِ تِمْثالٍ!

وَقَدْ تَضَرَّرَ هذا التِمْثالُ وَشُوِّهَ مَراتٍ عَديدَةٍ مُنْذُ مُنْتَصَفِ السّتّينياتِ لِأَسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ، إِلّا أَنَّهُ يَتِمُّ تَرْميمُ ما اعْتَراهُ مِنْ تَشْويهٍ في كُلِّ مَرَّةٍ:

  • في 24 أبريل 1964، تَمَّ بَتْرُ رَأْسِ التِّمْثالِ وَسَرِقَتُهُ مِنْ قِبَلِ فَنّانينَ مُوَجَّهينَ سِياسيًّا.
  • في 22 يوليو 1984، تَمَّ قَطْعُ الذِّراعِ الْأَيْمَنِ وَأُعيدَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ قِبَلِ شابَّيْنِ.
  • في عام 1990، أَدَّتْ مُحاوَلَةُ قَطْعِ رَأْسِ التِّمْثالِ إِلى قَطْعٍ عَميقٍ في الرَّقَبَةِ.
  • في 6 يناير 1998، تَمَّ قَطْعُ رَأْسِ التِّمْثالِ مَرَّةً أُخْرى، وَلَمْ يَتِمَّ الْعُثورُ عَلى الْجُناةِ، وَلكِنْ، تَمَّ إِرْجاعُ الرَّأْسِ بِشَكْلٍ مَجْهولٍ إِلى مَحَطَّةٍ تِلْفِزْيونِيَّةٍ مُجاوِرَةٍ.
  • في لَيْلَةِ 10 سبتمبر 2003، تَمَّ إِزالَةُ التِّمْثالِ مِنْ قاعِدَتِهِ بِالمُتَفَجِّراتِ، وَلاحِقًا تَمَّ الْعُثورُ عَلَيْهِ في مِياهِ الْميناءِ.
  • في عامِ 2004، تَمَّ تَغْطِيَةُ التِّمْثالِ بِالْبُرْقُعِ؛ احْتِجاجًا عَلى طَلَبِ تُرْكيا الْانْضِمامَ إِلى الْاتِّحادِ الْأَوْروبِيِّ.
  • تَمَّ صَبُّ الطِّلاءِ عَلى التِّمْثالِ عِدَّةَ مَرّاتٍ، في عامِ 1963 وَمَرَّتَيْنِ في مارس ومايو 2007.
  • تَمَّ إِلْقاءُ الدِّهانِ الْأَخْضَرِ عَلَيْها، وَتَمَّتْ كِتابَةُ تاريخِ 8 مارس عَلَيْها. يُشْتَبَهُ في أَنَّ هذا التَّخْريبَ كانَ مُرْتَبِطًا بِالْيَوْمِ الْعالَمِيِّ لِلْمَرَأَةِ.
  • تَمَّ الْعُثورُ عَلى التِّمْثالِ مَنْقوعًا بِالطِّلاءِ الْأَحْمَرِ في 30 مايو 2017 مَعَ رِسالَةٍ مَفادُها الدِّفاعُ عَنْ حيتانِ جُزُرِ Faroe، في إِشارَةٍ إِلى صَيْدِ الْحيتانِ الْجائِرِ في جُزُرِ Faroe

أَقْوى شَخْصِيَّةٍ خَيالِيَّةٍ لِامْرَأَةٍ عَلى مَرِّ التّاريخِ.

 

تَتْرُكُ عالَمَها لِتَعيشَ في عالَمٍ جَديدٍ مُخيفٍ، بِقَوانينَ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَخاطِرَ عَديدَةٍ، وَقَدْ تَخْسَرُ الْمَعْرِكَةَ. تَتَحَمَّلُ الْأَلَمَيْنِ: أَلَمَ الْجَسَدِ وَأَلَمَ النَّفْسِ، تَتْرُكُ أُسْرَتَها، تَعيشُ مُغامَرَةً حَقيقيَّةً، تُقابِلُ ساحِرَةَ الْبَحْرِ الْمُخيفَةِ في الْمُحيطِ، تَسْتَبْدِلُ بِذَيْلِها قَدَمَيْنِ سَتُدمي كَثيرًا، تَخْسَرُ صَوْتَها، يَنْكَسِرُ قَلْبُها، تَرى حَبيبَها يَتَزَوَّجُ مِنْ غَيْرِها، تَخْتارُ الْفَناءَ بِتَحَوُّلِها إِلى رُغاوى بَحْرٍ؛ لَيَعيشَ سَعيدًا، وَتَخْسَرُ حُلْمَها في الْحُصولِ عَلى الرّوحِ الْخالِدَةِ. يَصْنَعُها الْإِنْسانُ في قِصَّةٍ، ثُمَّ في تِمْثالٍ، يُقْطَعُ رَأْسُها، تُقْطَعُ ذِراعُها، تُشَوَّهُ، تُسْرَقُ، يُصَبُّ عَلَيْها الطِّلاءُ، وَتَظَلُّ صامِدَةً عَلى صَخْرَةٍ صَمّاءَ لِأَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ عامٍ، شاهِدَةً عَلى أَنانِيَّةِ بَني آدَمَ، عَلى طُغْيانِهِمْ وَافْتِرائِهِمْ، عَلى كَذِبِهِمْ وَنِفاقِهِمْ، مُنْتَظِرَةً مَنْ يُخَلِّصُ نُفوسَهُمْ مِنْ جُيوشِ الْحِقْدِ، مُنْتَظِرَةً شُروقَ شَمْسِ الْحُرِّيَّةِ في قُلوبِهِمْ …

 

حورِيَّةُ الْبَحْرِ وَابْنَتي ياسَمينُ.

 

نَظَرْتُ إِلى ابْنَتي وهَمَسْتُ لَها: ياسَمينُ، هَلْ تَعْرِفينَ أَنَّ حورِيَّةَ الْبَحْرِ لَمْ تَتَزَوَّجِ الْأَميرَ؟

فَأَجابَتْ: لا يا ماما، لَقَدْ عاشوا في سَعادَةٍ أَبَدِيَّةٍ.

قُلْتُ لَها: لا… ماتَتْ، وَتَحَوَّلَتْ إِلى رَغْوَةِ الْبَحْرِ.

عَلَتْ وَجْهَها كَشْرَةٌ، وَقالَتْ عاقِدَةً حاجِبَيْها: “This is sad”.

قُلْتُ: تَعالَيْ نُشاهِدْ مَعًا قِصَّةَ حورِيَّةَ الْبَحْرِ الْحَقيقيَّةَ.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *