منيرة جمجوم, mounira, jamjoom, dr, blogger, personal, bio, منيرة, جمجوم, emkan, emkaneducation

مجرد مطب يا منيرة

July 2, 2018

 

أَقْلَعَتِ الطّائِرَةُ الْيَوْمَ، أَنا أُفَكِّرُ، كَمْ قَضَيْتُ مِنْ عُمْرِيَ أُحَلِّقُ في الْهَواءِ في السَّنَواتِ الْأَخيرَةِ، حَتّى أَنَّني أَحْيانًا أَسْتَيْقِظُ، وَلِوَهْلَةٍ لا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ في دُبيَّ، الرّياض أَوْ جَدَّةَ. أَرى آثارَ السَّفَرِ على وَجْهِيَ وَجَسَدِيَ وَوَزْنِيَ، وَالآنَ شَعْراتُ الشَّيْبِ الْمُتَناثِرَةُ في رَأْسِيَ الَّتي تُفاجِئُني بَيْنَ الْحينِ وَالْآخَرِ، وَأَقولُ لِنَفْسِيَ: مُنيرة إِبْراهيم جَمْجوم، مَتى كَبَرْتِ؟

أَذْكُرُكِ طالّبَةً في (نيويوركَ) في سَكَنِ الْجامِعَةِ، شابَّةٌ مَليئَةٌ بِالْحَيَوِيّةِ، مُنافِسَةٌ شَرِسَةٌ لِمَنْ حَوْلَكِ، وَأَكْبَرُ مُنافِسَةٍ لِذاتِكِ… أَذْكُرُكِ في مُنْتَدياتِ حِوارِ الْأَدْيانِ وَالثّقافاتِ، تِلْكَ الطّالِبَةُ السَّعودِيَّةُ الْمُعْتَرِضَةُ، أَذْكُرُكِ مُتَدَرِّبَةً مُرْتَبِكَةً وَمُتَعَطِّشَةً لِلتَّعَلُّمِ، أَذْكُرُ بَدْلَتَكِ الْكُحْلِيَّةَ الْأُولى الَّتي لَبِسْتيها في أَوَّلِ يَوْمِ عَمَلٍ، لِتَظْهَري أَكْبَرَ مِنْ عُمُرِكِ، أَذْكُرُكِ الْفَتاةَ الَّتي تَأْخُذُ مِفْتاحَ السَّيارَةِ وَتَنْطَلِقُ لِاكْتِشافِ قُرًى في (البروفينس) الْفَرَنْسيِّ؛ بَحْثًا عَنْ لَوْحاتٍ نادِرَةٍ، لِفَنّانينَ تُحِبُّهُمْ، أَذْكُرُكِ الْفَتاةَ الَّتي تُغَنّي في أَوْقاتِ الْفَراغِ، الَّتي تَبْحَثُ عَنْ كُلِّ تَجْرِبَةٍ جَديدَةٍ؛ لِتَرْتَوِيَ مِنْها، وَتَسْقِيَ ما بِداخِلِها مِنْ شَغَفٍ، وَحُبٍّ لِلْحَياةِ، أَذْكُرُكِ طَموحَةً لِدَرَجَةِ الْهَوَسِ، أَذْكُرُكِ الْفَتاةَ الَّتي تُنافِسُ زَمَلاءَها الشُّبّانَ في كُلِّ حَقٍّ مُكْتَسَبٍ وَتَسْأَلُ: لِمَ أَنْتِ، وَلَيْسَ أَنا؟

وَتَساءَلْتُ وَأَنا أَنْظُرُ إِلى السَّماءِ مِنْ شُبّاكِ الطّائِرَةِ، هَلْ ما زِلْتُ أَنا؟ أَمْ أَنَّ أَجْزائِيَ “صَدَأَتْ” مِنْ بَعْضِ التَّجارُبِ الَّتي أَخوضُها الْيَوْمَ كَامْرَأَةٍ ناضِجَةٍ؟ هَلْ ما زِلْتُ أَشْعُرُ بِنَفْسِ ذلِكَ الشَّغَفِ وَتِلْكَ الْحِدَّةِ؟ هَلْ ما زِلْتُ أَعْتَبِرُ عَفَوِيَّتي إِحْدى نِقاطِ قُوَّتي وَأَهَمَّ قِيَمي في التَّعامُلِ؟ هَلْ قَوْلُ الصِّدْقِ في كُلِّ الْأَحْوالِ هُوَ الصَّحيحُ؟ أَمْ أَنَّ حَياةَ الْكِبارِ لَها مَعاييرُ أُخْرى؟ حِساباتٌ وَسِياساتٌ وَقُوًى خَفِيَّةٌ أُخْرى؟ أَشْعُرُ أَحْيانًا أَنَّني في حَرْبً ضَروسٍ مَعَ الْأَجْزاءِ الَّتي تُريدُ أَنْ تَصْدَأَ مِنّي، أُلَمِّعُها حَتّى تُدْمي أَصابِعي؛ لِأَنَّني لا أُريدُ أَنْ أَفْقِدَ “تِلْكَ الْفَتاةَ” … أَراها أَمامِيَ بِشَكْلِها الْمُخْتَلِفِ عَنْ شَكْلِيَ الْيَوْمَ، بِشْعْرِها الْقَصيرِ، وَحِذائِها الْبُرْتَقالِيِّ الْفاقِعِ الْغَريبِ، وَسَمّاعاتِها الْكَبيرةِ وَهِيَ تَسيرُ في شَوارِعِ نيويوركَ حالِمَةً … تَقولُ: سُأُغَيِّرُ الْعالَمَ لِلْأَفْضَلِ… نَعَمْ، سَأَفْعَلُ رَغْمًا عَنْ أَنْفِ الْجَميعِ.. سَأَتْرُكُ بَصْمَتي عَلى كُلِّ ما أَلْمِسُ، وَسَأَتْرُكُ مَحَبَّتي في كُلِّ مَنْ أُحِبُّ، فَأَنا أُحِبُّ بِشِدَّةٍ، وَلَنْ أَرْضَخَ لِمَعاييرَ تُنافي قِيَمي الشَّخْصِيَّةِ، وَلَنْ أَقْبَلَ مِنْ نَفْسِيَ إِلّا التَّمَيُّزَ، وَلَنْ أَرْضى الظُّلْمَ عَلى غَيْرِيَ، سَأَقولُ الْحَقَّ “كَما أَراهُ”؛ فَالْحَقُّ مُتَعَدِّدُ الْأَوْجُهَ، سَأَقِفُ في وَجْهِ كُلِّ ما يَمْنَعُني أَنْ “أَكونَ” … فَبَطَلَتي أَثْناءَ الصِّبا كانَتْ الْقائِدَ (أُوسْكار)، الْفَتاةُ الَّتي حَمَلَتْ رايَةَ والِدِها الْعَسْكَرِيَّةَ، وَأَكْمَلَتْ مَسيرَتَهُ في الْجَيْشِ الفَرْنْسِيِّ، في وَقْتِ الثَّوْرَةِ. كُلَّما أَرى صُورَتَها الْيَوْمَ في إِحْدى بَرامِجِ الإنيمي الْيابانيّ، أَشْعُرُ بِنَغْزَةٍ في قَلْبِيَ وَكَأَنَّها تُذَكِّرُني بِتِلْكَ الْفَتاةِ الثّائِرَةِ.

قالَ لي أَحَدُ عُملائِيَ: الْمَرْأَةُ الْحَديديَّةُ … “دايما سابقتنا”

خَرَجْتُ وَأَنا أُفَكِّرُ كَمْ حَرَقْتِ أَجْزاءً جَميلَةً مِنْ نَفْسِيَ؛ لِأُصْبِحَ الْمَرْأَةَ الْحَديديَّةَ الَّتي يَراها أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَراها… هَلِ الطُّموحُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هذا؟ هَلِ الْأَحْلامُ تَحْرِقُنا قَبْلَ أَنْ نُحَقِّقُها، أَمْ أَنَّهُ احْتِراقٌ مَرْحَلِيٌّ لِبُرْكانٍ تَنْمو بَعْدَهُ أَرْضٌ خَضْراءُ جَديدَةٌ … تُرى، هَل أَقْسو عَلى نَفْسِيَ بِكِتابَةِ هذِهِ الْخاطِرَةِ؟ هَلِ الْاحْتِراقُ بَيْنَ الْحينِ وَالْآخَرِ نُمُوٌّ يَجْعَلُنا أَقْوى وَأَكْثَرَ لَمَعانًا؟ أَمْ أَنَّهُ يُعَوِّدُنا عَلى رائِحَةِ الرَّمادِ وَلَوْنِهِ؟ هَلْ هذا ما يُسَمّى بِهَوَسِ النّاجِحينَ، أَقْرَبُ إِلى تَحْطيمِ الذّاتِ مِنْ بِنائِها “وَالطَّبْطَبَةُ” عَلَيْها؟

Insecure Overachievers

تَقْتَرِبُ الطّائِرَةُ مِنَ الْهُبوطِ، وَأَشْعُرُ بِالْمَطَبّاتِ الْهَوائِيِّةِ، وَأُجَفِّفُ دُموعَ الْهَزيمَةِ، وَأَسْتَجْمِعُ قِوايَ، وَأَقولُ لِنَفْسِيَ: مُجَرَّدُ مَطَبٍّ مُنيرةُ …

أَبْتَسِمُ لِتِلْكَ الْفَتاةِ وَأَقولُ لَها مِنْ مَكانِ نُضْجٍ وَتَجْرِبَةٍ: سَتُغَيِّرينَ الْعالَمَ لِلْأَفْضلِ. سَتَتْرُكينَ بَصْمَتَكِ. سَتَعْمَلينَ بَشَغَفٍ، وَسَتَقولينَ الْحَقَّ. سَتَعيشينَ قِيَمَكِ. سَتَكونينَ.

 

4 responses to “مجرد مطب يا منيرة”

  1. اسراء says:

    رائعة.

  2. هاجر says:

    بوح بالغ الجمال يلامس كل امرأة تصارع لتكون هي في عالم شديد التنوع والجمال.
    طالما أنك في إطار قيمك لاتزالين وتحملين شغفا لم يتغير ولم ينطفئ فأنت الليدي أوسكار!

  3. فأنا أحب بشدة 🙂
    كل التقدير والاحترام لامراة مثلك تحمل قدراا وفيرا من الحماس والمشاعر والجمال….

  4. د. خليل القعيسي says:

    ما زلتِ أنتِ د. منيرة .. ولنْ تصدأ أجزؤك طالما تعتريك أنفاسٌ ثوريّة .. رائع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *